الخميس، 16 يونيو 2016

أو كيف تلمعُ الوحدة كسمكةٍ خرجت لتوها من البحيرة، في صباح عادي جدًا، لتحتجز المعنى...


 (1)

الثامنة والنصف صباحًا. أجلس على كرسي الخشب الثقيل أمام المكتب/الطاولة الخفيف وسط غرفة –أو شبه غرفة الصالون. لم أبدأ في الكتابة بعدُ ولا الترجمة. أفكر في الكتابة التي أهرب منها، أو تهرب مني. أصنع وردة أوريجامي صغيرة من ورق سكري اللون. تذوب الخطوات بين أصابعي، كأن الوردة تنساب لوحدها، لم أختبر هذه السلاسة أثناء تدريب أصابعي على الأوريجامي منذ فترة. أجلس، دخيلًا على الفضاء حولي، أفكر في وحدتي وغربتي داخل أكثر الأماكن ألفةً. أعيد ترتيب جُملي الصغيرة في هذا الصباح. يملؤني خليط من الخفة، وخمول الصيف. كيف احتال على وحدتي وعلى الخمول؟ اكتب السطر الحالي بإصبعٍ واحدٍ تقريباً؛ بالتأكيد ليس بغرض التأني. ولكني، لكني ماذا؟ ما الاستدراك الذي أحاول الإشارة إليه هنا؟ فاتت ساعة تقريبًا منذ بدأت كتابة الفقرة الأخيرة.  كيف أحتال على وحدتي؟ أرتدي قبعة بيضاء مضحكة، وأكتب ما أكتب. وأهش ذبابات الصباح المزعجة. أنصت للموسيقى المرتبكة بأذن واحدة، صوت مروحة السقف الرتيب وتنفس أمي النائمة تحتها يملآن أذني الأخرى. وقلبي، قلبي اليوم متوتر مثل قطة صغيرة خائفة. لأن الليلة ميعاد تسليم مهم. وقلبي متوتر لأن الوحدة تغمره في هذا الصباح. كيف تملؤني كل هذه العاطفة والشهوة في صباح عادي جدًا. كأنني اكبر من جسدي ومن وجودي، كأن ما بداخلي يحاول كسري والخروج. الشبق المحبوس تحت أناملي لا يلمسه غير أزرار لوحة المفاتيح السوداء الميتة، بزواياها الناعمة المتناسقة والتصاقها باللوحة، مثل حقل نباتات بلاستيكية مقصوصة حديثًا. متى يسيل هذا الشبق على جسدٍ حي؟ 

أغرس أصابعي بين أزرار اللوحة معدومة الإحساس وأتوقف قبل أن أكسرها بلحظة. الجوع يصبح غضبًا. مثل حبة ذرة تتفشر؟ هذا الصباح لا يمكنني أن أهرب إلى النوم أو أن أصرخ في وجه المدينة. يمكنني فقط أن أتنفس بعمق لثوانٍ طويلة ثم أعتدل في جلستي على الكرسي، وأشغل نفسي بملاحظة كيف لا أملك في معجم قلبي كلمةً تحمل ما أختبره في صورتها ومعناها، تخفف عني حمله حين أنطقها وتنقل صورة صادقة عنه حين يقرأها أو يسمعها الآخر. أفكر أن اكتب «يسمعها الآخرون»، لكن أعتقد أن مثل هذه البوح لن يسمعه إلا آخرٌ واحد، قد يقرؤها آخرون؛ آخرون لا أعرفهم عن حق ولا يحملون ألف ولام التعريف عند عبورهم في خيالي. حديث اللغةُ وما يتسع له قلبها وصورتها يغويني بالتمادي والانغماس في الكتابة والنقل بحثًا عن قارب يحتوي حِملي (بالكسرة تحت الحاء) ويسبح به بهدوء. أكتب قالبًا، وأجد صورته خالية من الحركة ووعد النمو، فأكتب قاربًا، وأرى حِملي ينساب على وجه بحيرة هادئة أو مياه خليج شفاف –لأن البحيرة مغلقةٌ وأنا أبحث عن وعدٍ بلا حدود. سأقول أن الكلمات قوارب، يبدو اختيارًا منطقيًا أكثر لأنه يحمل بالتبعية وظيفة الكلمة المنطوقة في نقل المعنى والتواصل. بينما القوالب أول ما تستدعي في خيالي قالبًا مدفونًا من طوب الطفلة المحروقة الأحمر الثقيل المستخدم في أساسات البيوت القديمة في مدينتي الصغيرة. ثم تبدو الكلمات القوالب وحدات بناء مصمتة تطل عليّ من علياء جدرانها، هل أنا أتجنى على صورة القوالب بما أكتبه الآن. ألم أغمض عيني وأمر بأناملي، بشبقها المحبوس، وفضولها النِهم وبحثها المجنون عن استجابة جسد حي، فوق وجوه عشرات القوالب النائمة في قلب القاهرة وحنايا المدن الصغيرة التي عبرت في فضائها. أتذكر ملمس حجارة معبد الوحي في سيوة، جدران ممرات مسجد السلطان حسن ضعيفة الإضاءة والحارة القديمة تحت مستوى كنيسة البطل مار جرجس. يبدو المقطع الأخير دخيلًا على البناء الذي أحاول إقامته هنا. أقفز من مرآة المجرد إلى الحسيّ، تسقط القوالب من بين يدي في مياه البحيرة فتهز القوارب الساكنة على وجهها. كأنها محاولة مضحكة للتذاكي على نفسي وعلى القارئ، مجرد احتيالٍ مفضوحٍ لقتلِ الوقت وتشتيت خيط الدخان الدال على أفكاري المستعرة. سأترك الخيال مكومًا ومتداخلًا كما هو وأتوقف عن الكتابة/ أهربُ.

(2)
الثالثة وخمسون دقيقة صباحًا. أحتار في صياغة هذه الجملة، كيف أقول أنني سأتجاهل ما تركته الكتابة من أثر على ملابسي، مثل قطة تمسحت بي وتركت شعرها المنثور عالقًا بقميصي الخريفي المقلم؟ كنت أخرج من بيت صديقتي الذي تهدّم حديثًا، وأتمشى من ميدان طلعت حرب إلى ميدان باب اللوق دون اهتمام، كأن شعر القطة الرمادي امتداد لنسيج ملابسي. سأتجاهل كل ما جد من آثار صغيرة وأنغمس في العودة إلى ما حاولت الهرب منه صباح الأمس. هل أبني قاربي أم أبحث عنه؟ لم أعرف مفردات الحيرة قبل أن أخطو إلى بستان لغتي الثانية: Intimacy هو أول لفظٍ يخطر ببالي أنني ربما أبحث عما يحمله. المرادف العربي -الذي أعرفه في هذه اللحظة- هو «الحميمية» لكن اللفظ الإنجليزي في خيالي يحمل أكثر مما يحمل اللفظ العربي. إنتيماسي؛ يقول القاموس: اسم، ويورد مرادفات عديدة منها حميمية، ومنها ود، ألفة، عِشرة، وملابسة. لكن أيًا منها لا يتسع لما أحمله بعدُ. يقول المعجم الإنجليزي إنتيماسي، إسم. مشتق عن الأصل إنتيمات. إنتيمات، صفة وإسم. من الأصل اللاتيني إينتيماتُيس. إحدى التعريفات تقول «ينتمي لأعمق وأخص الأفكار أو المشاعر؛ ينبت عنها؛ أو يؤثر في جوهر النفس» «معرفة قريبة أو صلة، متصل بقرب عن طريق الصداقة أو المعرفة الشخصية، تتصف بالألفة –مع شخص أو شيء» يقول المعجم أيضًا أن كلًا من الصفة والاسم استخدما منذ القرن السابع للتورية عن ممارسة الجنس. وحين تصبح اسمًا فهي تعني شخصًا نكون معه على قدر عظيم من الصداقة والقرب. في الطب تستخدم اللفظة ذاتها لوصف بطانة الشرايين. هل علي أن أنظر في الأصل اللاتيني لأكتشف أين ضاع المعنى الذي أعتقد وجوده ولا أعرف صورته؟ أدرس الإنجليزية منذ عدة سنوات وما زلت أجد ذلك الحاجز الشفيف يمنعني عن الوصول إلى قلب اللغة الصادق. ألجأ للمعجم العربي، وأبحث في مادة حـ م م. يقول لسان العرب: الحميمُ القريب؛ والحميمُ: الماء الحار. وقال الأزهري: الحميم عند ابن الأعرابي من الأضداد، يكون الماء البارد ويكون الماء الحار؛ والحميمُ المطر الذي يأتي في الصيف حين تسخن الأرض. والحميمُ العَرَقُ. والحميمُ القريب الذي توده ويودك. أبحث في مادة ودد. يقول لسان العرب الودُّ: مصدر المودة. الودُّ الحبُ يكون في جميع مداخل الخير. والودُودُ: المُحِبُ. وموّدة اسم امرأة. ويقول القاموس المحيط الوُدُّ والودادُ: الحبُّ.

(3)
ما الذي أحاول الوصول إليه هنا. كأنني أرتدي عباءة ليست لي. من أنا لأطلب من اللغة أن تفتح صدرها لي وتمنحني ما أحتاجه، أو على الأقل ما أبحث عنه. تعطلت ساعة الحائط اليوم، سأقول أنها توقفت عند السابعة وستة وثلاثين دقيقة صباحًا، فقط لأنني أعرف أنها كان سليمة ساعة الفجر. أحيانًا، مثل الآن في تمام الثالثة وأربعين دقيقة عصرًا، أعتقد أنني أهرب بالكتابة من مواجهة الحياة. كأن الكتابة عرضٌ مسرحي تدربت عليه عشرات المرات حتى تماهيت تمامًا وأصبحتُ أنا النّصَ والحركة والإضاءة والديكور. أحتمي خلف حائطي الوهمي من تفلتُّ الحياة واستعصائها على التدريب والتجويد. لكنني في أوقاتٍ أخرى، مثل الأمس في تمام الثامنة والنصف صباحًا، أجد الكتابة هي الحياة الحقيقية في فضاء وجودي. كأنني حملت النّص المرسوم على ظهري وهبطت به عن خشبة المسرح وأخذت أصرخ في المشاهدين وأستفزهم، فيشتبكون معي ومع النص وحروفه، ينفخون هواءً ساخنًا يملئ فضاء المسرح حتى ينتفخ ويتفجر ويفيض؛ 

(4)
أجلس في عباءة خضراء مثل الفستدق الطازج. أعيد القراءة عدة مرات، في الخلفية أفكّر في الكتابة الأخرى التي ما زلت أهرب منها، وأفكر أن اليوم يبدو خفيفًا على غير العادة بعد نوبات الكتابة. ولسبب في غاية الغموض أرى صوت سام*، تتناول شريط تسجيل من جوارها، تتنهد، تضعه برفق على الطاولة أمام تشارلي وتبتسم وتخبره في زهو أنها وجدت أغنية النفق. أفكر أنني لم أتعلم القيادةَ بعدُ، وذوقي في الموسيقى فوضويٌ مثل نوبات الكتابة. وأفكر في بتر عدة مقاطع مما كتبته. أقاوم ذلك الوسواس بشدة، وأقول لنفسي: سأكون بطلًا صغيرًا، ولو ليومٍ واحد.

                                                     *سام وتشارلي من فيلم The Perks of Being a Wallflower
أغنية النفق:


    







السبت، 4 يونيو 2016

بين ثعلب الأرض ووردة الأمير

                       


          الثالثة فجرًا. كيف تعمل الكتابة يا صديقة؟ أسمع الأمير الصغير يقول لنفسه «لو كان لدي خمسة وثلاثون دقيقة لأنفقها، لمشيت ببطء نحو النبع.» مفتاح الهمزة على السطر لم يعد يعمل كما يجب، عليّ الآن أن أكبسه بقوة أكثر من مرة حتى تظهر الهمزة على الشاشة، وأستغرب ذلك لأنني لا أستخدمه بالقدر الكافي لتسبيب ذلك العطل. كنت أقول لنفسي إن الفتى الأيرلندي بابتسامته الساهتة، وضحكته المرحة وذقنه الخفيفة والنظارة يذكرني بطلال فيصل. هل أذكر حقًا كيف كان طلال يضحك أو يبتسم منذ ألفين وتلاتاشر؟ جلس الفتى الأيرلندي إلى جواري على شرفة التلة فوق سقف القاهرة وسألني إن كانت الكرة المضيئة في السماء قمرًا، فياله من قمر غريب. أخبرته أنها الشمس. فضحك وأخبرني أنه في أسفاره الطويلة لم ير أبدًا شمسًا تشبه قمرًا غريبًا بهذا المظهر، وتلتهمها سحابة الدخان التي تحكم المدينة بمثل هذا العنف. جلس إلى جواري في الأتوبيس بعد ساعة وقال بتلقائية «ربما لو كنت قطة في شوارع القاهرة لأصبحت سعيدًا. لا أشعر أنني أريد أن أصبح كلبًا هنا.» أخبرته كيف يطلق أهل المدينة شرورهم على كلاب الشوارع والبيوت، وحزنا معنًا داخل الأتوبيس الأحمر الكبير. حين هجر الأمير الصغير وردته الحمراء التي لا مثيل لها، كان في طريقه إلى رحلة تنتهي بالعودة إليها. عيون الفتى الأيرلندي المحدقة في دهشة تذكرني الآن بالأمير الصغير. جلسنا نأكل الملوخية، وتمنى الفتى لو يرجع الحاكم بأمر الله إلى الحياة دقيقة واحدة، ليرى كيف تصبح تعبيرات وجهه حين يرانا وبقية رواد المطعم الفقراء نأكل الملوخية التي حرمها على الشعب. تهنا سويًا في مقابر تحرسها ملائكة حجرية وعلى مدخلها يطعن القديس جورج قلب التنين منذ ألف عام. تهنا في المدينة الفوضوية، وفي الفوضى، وفي ابتلاع المدينة للحياة والموت سواء، وفي شتائم سائق الميكروباس التي تفقد طعمها اللاذع ورائحتها الكريهة حين تعبر من لغتي إلى لغته... فكيف تعمل الكتابة؟ أسمع صوت الأمير الصغير ولا أقاوم دموعي أبدًا، أتمنى فقط لو لم أكن وحيدًا الآن؛ أنا أيضًا أقاوم انسحاب الذاكرة واعتياد الوحدة. هل يمكنني أن أنقل ما قاله الثعلب للأمير الصغير بشكل يحافظ على طبقات معناه أو يستجيب للمحبة التي باح بها صوتكِ، صوت الفتاة الباكي ليلة الأمس دون أن يجرحها. الحقيقة التي أعتقدها أنه لا يمكنني أن أمنحك الحب الذي تستحقينه يا صديقة. إنني أقف وحيدًا في المسافة بين الوردة والثعلب. أفكر فيكِ وفي كلماتك، في رنين ضحكتك المتوترة. أفكر كيف قد يغير فعلٌ صغيرٌ من أفعال المودة رؤيتنا للعالم. هل أحبّ الثعلب الأميرَ الصغير حقًا؟ لماذا استخدم أنطوان دو سانت لفظة التدجين يا صديقة؟ يحيرني الأمر. تطل اللغة برأسها مرة أخرى، يعبرُ كلام الثعلب من لغة إلى لغة إلى لغة، فتسقط عنه ثيابه أو يتغير لونها. الحقيقة أيضًا أنني لا أعرف من أنا في هذه الحكاية، من أنتظر وعن من أبحث. هذا الحب أكبر من قُطر بابي ومساحة صدري؛ يوجعني أن أردّه، وسيوجعني إن حاولت استقباله كما تستحقين. لو كان لدي خمسة وثلاثون حياة لأنفقها، لمشيت ببطء نحو هذا الحب، دون أن أجرحه أو أخذله، لقرأت صوتكِ في ألف ليلة وليلة ولأصبحت أكثر من صديق يلّوح بيده المتعبة من فوق سفينة أو فرع شجرة.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

متى أخترق قشرة الصمت وأمضي؟




لكسر روتين الصمت الذي أفرضه على نفسي أكتب. أكتب أنني محاصرٌ في جسدي ووحدتي، وأن تاريخ اليوم يزعجني ويعلمني أنني سأكمل عامي الرابع والعشرين بعد أسابيع أربعة، وأنني لست مستعدًا لكل هذا الركض والاستنفاذ. لكسر روتين الصمت أتكور في سريري بعد التاسعة صباحًا، تائهًا بين النوم واليقظة، أتكور في سريري وأكتب بين سطرين في خيالي كيف أنني لا أكتب منذ أيام طويلة، لا أتكلم ولا أقرأ، وأنني أبغض هذه الحالة وأبغض غضبي على نفسي. أتكور في سريري وأقرر أن أغيب في عالم الأحلام ساعة، أعلم أنني لم أتناول دواء الاكتئاب منذ أيام ولذا أنا أقرب للأحلام المتماسكة؛ في الحلم الأول تسقط صديقتي في بيتنا، ترتدي تنورة مزينة بالزهور وتدور مع أصدقائنا وتحكي عن رجل مجهولٍ أحبته. في الحلم الثاني تقرأ السنافر مقاطع متفرقة من كتاب مجهول لتشارلز ديكنز، ثم يسبحون واحدًا بعد الآخر على حوائط برتقالية يرسمون عليها أمواجًا زرقاء حليبية وقططًا مسحورة وزهورًا ضخمة، ويغني كل منهم ما حفظه من كتابة ديكنز. أسقط في غرفة حمام مرصوفة بسيراميك لبنيٍّ وأنهمك في الكتابة على جسدي العاري، أكتب بحبر أسود كثيف أبياتًا من مترجمةً من شعر جون دن، وأكتب كل كلمة تمر بخاطري. وأبكي، ويسيل الحبر مثل النزف على أصابعي وفخذاي. أستيقظ، أجلس القرفصاء ساعة، مجرة هائلة من الأفكار السوداء والبيضاء تتلاطم في داخلي. أتوضأ ثلاث مرات ولا أصلي. يتوقف الزمن في غرفتي وتنقطع الأصوات عني. ثم أصلي العصر أخيرًا وأدخل في حذائي الرياضي وأقطع الطريق واقفًا من البيت إلى وسط البلد. يبدو المترو خاليًا وصامتًا على غير عادته، أصعد درجات السلم، أجلس على كرسي المكتب تحت الضوء الأبيض الساطع، تتلاطم أذرع المجرة في داخلي مرة أخرى وأقرر أن أترك عملي بعد أسابيع من التردد والحيرة... في حقيقة الأمر لا أريد الغرق في غياهب الكومفورت زون مرة أخرى، لكنني، في هذه اللحظة لا أملك القدرة على المعافرة خارجها. سأترك العمل الذي يتحداني وأبحث عن فرصة على حدود الكومفورت زون اللعينة، أتعلق بقارب صغير وأدفع نفسي خطوة متناهية الصغر خارج حدودها. أجلس تحت الأضواء البيضاء الساطعة، أقرر أن أتخلى عمّا يستهلك ما تبقى من طاقتي، ويحزنني التخلي رغم فائدته، وأكتب أكثر.

ثم ينقطع سيل الكتابة...

عكس كل ما أريده لنفسي ينقطع سيل الكتابة. كنت اجلس أمام أستاذتي منذ شهر وأحكي لها أنني الآن أعافر للخروج من حيث تحدث لي الكتابة إلى حيث آتي أنا بفعل الكتابة عن عمدٍ ومثابرة. الآن ألضمُ الخيط المقطوع وأخطو خطوة صغيرة نحو ما أريده لنفسي. أسأل نفسي؛ لماذا أخاف من الأشياء الجميلة التي أريدها، لماذا تخيفني وأهرب منها إلى لامنطقية الكآبة والعجز. الآن أكتب. وأبكي. وأؤمن بحكايات الجنيات أكثر. وأبكي وينزف الحبر من رحمي المتخيلة، التي تطاردني في الأحلام. ولست أدري لم اخترت أن تكون الرحم مؤنثة. أبكي وأنزف حبرًا وأترك عملي وأطارد ستائر الحيرة وغموض ما قد يأتي. وأعلم انني محاصرٌ في الوحدة وفي الكتابة التي لا تولد. عكس كل ما أريده لنفسي ينقطع سيل الكتابة، وتنقطع المثابرة فأترك عملي الذي يتحداني، وأهرب. آتي الفعل الأكثر بغضًا إلى قلبي وروحي. ربما أزعم عكس الهرب خارج هذه السطور، لكن هنا، وسط السطور التي أغزلها من ثوب روحي تحت أضواء المكتب الساطعة لا يمكنن أن أزعم غير الحقيقة. أنا أهرب. ويبدو الهرب مثل رفاهية أسرقها وسط وقت عصيب أعافر فيه لأخطو كل خطوة. ماذا بعدُ؟ الحقيقة التي أهرب منها هي أنني أهرب من المسؤولية. أيقظت كلمات يسرا كل صدى النداءات البعيدة التي أهرب منها هي أيضًا. كنت أحكي لسلاف عن أعتقادي أنني لا أستحق الخير الذي مُنحتُه، فتقول هي فلتعمل لأجله حتى تستحقه. وتقول لي إسراء «هو إحنا مش هانبطل نجري من الحاجات اللي بنحبها وبتختارنا عشان إحنا أكشوالي مهابيل وعبابيط ومقتنعين إننا منستحقش الحاجات دي؟»

نعم، هربت من فرصة السفر إلى أمريكا حين اختارتني الفرصة، ثم هربت من فرصة إتمام دراستي في سنة حين اختارتني الفرصة الثانية لثاني مرة، ما كنت لأصدق ولن أصدق أن تأتيني فرصة ثانية مرتين، هذه هي خطيئتي؛ الكفر بأن المعجزات قد تحدث لي أنا أيضًا، والهروب منها. خطيئتي العظيمة هي الهرب. الآن أغرق في وحل العجز والحيرة، وأرى عامي الرابع والعشرين يتم وأنا عالق منذ عيد ميلادي الماضي في مكاني لا أتقدم. هل أنفجر مثل البركان؟ هل أنفجر ثم أفيض مثل الحمم السائلة؟ أم أنني في الحقيقة أذوي وأذوب في وحل العجز والحيرة؟


ثم تخيفني كتابتي ويخيفني الاعتراف بهروبي وتقصيري. يخيفني كشف كل هذه الهشاشة والحيرة. أتخيل نفسي فرخًا محبوسًا في بيضة صلبة، أنقر قلبها بحروف صغيرة صلدة، أطرق رأسي حتى تنزف، أهتز، أصرخ، أبكي في عجز. أتخيل نفسي مطرًا محبوسًا في غيمة، تحملني الغيمة من وطن إلى آخر على غير إرادةٍ مني. تخيفني كتابتي هذه، ويخيفني الاختيار، وانتهاء الدرب، وجفاف الكتابة...

الخميس، 25 يونيو 2015

ملح الكتابة ونورها





اكتشفتني الوحدةُ جالسًا منفردًا أتأمل شجرة البومباكس العظيمة وسط حرم جامعة المنصورة فوُلِدتُ مرة أخرى. تلك الشجرة التي نبتت من حلم ما ثم جلست مرتاحة توزع أثواباً من روحها على العابرين في مجالها. بحثتُ عن أستاذ يعلمني الرسم في الصباح التالي، رسمت عشرات الأشجار والمروج في مرسمه الصغير ولم يكن من بين أيٍ منها شجرة بومباكس واحدة. رسمت عشرات الأشجار والمروج ثم انهار السقف عليها وانهارت الجدران والطوابق الستة العتيقة فوق المرسم والأشجار ومحاولاتي جميعًا، ولم ألمس ريشة واحدة ولا أنبوب لونٍ منذ ذلك اليوم، لكنني كتبت. كتبت عن العالم الأخضر الرقيق الشفيف الذي يوازي عالمي، عن أسماء الأشجار التي لا أعرفها والزهور الصغيرة التي تتفتح في شق جدار غرفتي حيث تنفذ الشمس. مدينة الأمل للطلبة؛ حيث كنت أسكن، تبدو كمزحة ثقيلة، لا فسحة للأمل فيها حتى اكتشفت نفسي في الكتابة.

 لا راحة في العودة إلى مدينة الأمل الغائب، ولذا تتوه خطواتي وتدور في المسافة بين قاعة الدرس ومدينة الطلبة في نهاية الأيام. تعثرت في جسد طائر أخضر ملقى على الأرض ذات يوم في أول الربيع. كان الطائر زهرة سقطت من عشها على جناح الشجرة الهائلة الممتدة في الفضاء. تهز رياح الخماسين فروعها فتسقط الأزهار الحمراء الضخمة، يذوي لونها الأحمر سريعاً وتتحول لطيورٍ خضراء ميتة. رفعت رأسي نحو الشجرة فملأتْ قلبي برهبة غامضة. لم تكن الطيور الخضراء الميتة ميتة، كانت تهمس برغبتها السرية في الامتداد لحيوات أخرى، وكانت شجرتها تتنفس ببطء، ينمو حولها سياج من أجساد الطيور شبه الساكنة، يزحف السياج نحوي ويأسرني أنا أيضًا ببطء. ملاتني الشجرة بسطوتها وهمسها. ابتلعتني الشجرة ولمست قلبي. رأيت الموت يلمس قلوب زهورها الطيور، وتذكرت صوته. لفظتني الشجرة على جانب الطريق فركضت إلى غرفتي وفتحت دفتري الأخضر. همست لي الشجرة أن أكتب، فاستندت عليها وملت نحو الكتابة.

 خفقت الطيور الميتة أجنحتها فسقط جدي من عالم الحزن إلى عالم الدفتر. أراح رأسه بين سطرين وابتسم. ارتشفتُ من الكتابة ما شاءتْ لي حتى تصالحت مع فقدانه. كتابة جدي كانت امتداد حياته بين يدي؛ كتبته ببساطة كما كان ورأيت الموت لأول مرة وديعاً آسرًا ومسلوب الإرادة. خفقت الطيور الخضراء أجنحتها فرأيت نهراً يفيض ويغمر غرفتي، قلب التيار أدراج مكتبي وبعثر محتوياتها؛ رأيت احلاماً صغيرة مكتوبة على أقاصيص أوراق طفولتي، ورأيت دربي لا يمر بجامعة المنصورة حيث كنت، ورأيت أبي يبكي حين وجد جدي مرتاحاً بين سطوري؛ ورأيت نفسي تائهًا مندفعًا... جف الماء وبقيت أقاصيص الأحلام الصغيرة سابحة في فضائي، كنت أميل نحو الكتابة وأسقط معها في قلب الحياة ولم أكن أرى ما أراه الآن.

متى لمست الكتابة أول مرة؟ كنت أستند على زجاج الشباك في شقتنا الصغيرة وكنت صغيرًا وكان صيف المدينة حارًا. ركضت نحو أمي أحكي لها كيف طلب مني مدرس الفصل أن أكتب عن الملح، وكم تبدو الكتابة محيرة، ماذا في الملح، أكثر من كونه ملحًا، لاكتب عنه؟ فردت أمي أجنحتها البيضاء الفسيحة وضمتني إليها، حكت لي أن غاندي علّم الهنود كيف يستخرجون الملح لأنفسهم من البحر، قالت ما يشبه أن الملح قوة، وقالت أن الملح أبيض مثل الثلج، ثم قالت أن الملح أيضاً شفاف كألماسات صغيرة، وضعت في يدي الصغيرة حفنة ملح وقالت أن الملح مسحور، وسألتني كيف ذهب الملح إلى البحر؟ قدمت موضوع التعبير لأستاذي في الاسبوع التالي وكتبت ما شاءت لي الكتابة أن أكتب عن بلورات الملح خفية السحر طيبة الأثر. ثم كبرت ووجدت لسان العرب يقول أن الملح هو ما يطيب الطعام به، لكني لم أجد من يشرح لي كيف تطيب بالكتابة أيامي، أو كيف تلتهب جراحي بملحها: كبرت ولم أجد ما يعرّف الكتابة أو يحكي كيف تغرسني في قلب الألم ثم تجردني من كل الشعور.

بين حياتين وجدت نفسي حين سبحت خارج غرفة الحلم، قادني فيض النهر إلى مدينة شريرة ثم لفظني على  شاطئها اللامع. كانت الأرض زلقة وأحلامي الصغيرة زغبها مبلول وقلوبها مفزوعة، لا يدري أيٌ منا –أنا أو الأحلام أو البيت على ظهري-  إلى أين يقودنا الدرب الجديد. كانت الخطوة حلماً وكان الحرف، ومعاً تعلمنا المشي على أرض المدينة الشريرة وتعلمنا الكتابة.


«طفلي الصغير، من رحمك المسحور تولد أول الحروف وآخر الساحرات،
عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته،
 
وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة وما بعدها؛ ربما حضنٌ طال انتظاره.
قِف الآن وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح...
هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها،
ونفَسٌ طويلٌ،
ثم نفَسٌ أطول»

الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق بريد يطفو على صدر ليلة



اليوم: العاشر.
المكان: أمام بحر.

ماذا تقول الرحلة؟
تقولُ أبحر. تقولُ أبحر. تقولُ أبحر.

روحُ الرحلة تتلبسني، تهمس في صدري،
تملك أمري كله،
تدفعني كي أُبحِر في عاصِفتِك؛

أصنع طوفاً من كلماتي/
من أعوادِ الياسمينِ وأغصانِ الليمون،
وزهور المشمشِ وخيوطِ الشمسْ/
أصنع مرساةً من حجرٍ فيروزّيٍ/
ساريةً من عاجْ
وشراعاً
من ثوبك الأزرق التائه في عينيّ منذ عرفتك/
ثم أبحر في عمق لياليَّ بلا دفة...

(...)

اليوم: تاهت الأيامُ بعد أولِ ألف.

من أنتِ؟

هذي الليلةُ،
أمواجكِ تغمرُ طوفي...
تحيي طيفي/
أتذكَّرُ
في مرآتي:
كنتِ أرق من صباح ربيعيٍّ
وأبهى من سمائه،
ساحرةً كفجر ليلته الباردة نسبياً
/وكنتُ أسهرْ/
كنتِ دافئةً في عينيِّ
مثل شمس الصباح الربيعي المستيقظة بعد كسل الشتاء/
أتذكرُّ
في عينيَّ كنت بريئة كروح الطفولة
وغامضة كقلب هذا المحيط الفسيح/
أمام عينيِّ تبتعدين في إصرار أمنيةٍ تؤمن أنها
ليست لي./
عزيزةً عليّ/
وقريبةً
كالألم المحيّر في أوصالي.
كنتُ أسلّم أمري للموج
وأشهد أني أحبك.
وكان الموجُ يدفعني
نحو بحورٍ جديدة...
/ما زلتُ أسهرْ/

(...)

اليوم: أربع سنواتٍ؟ خمسة؟
اختلط الأمرُ علي بعد البحر الأول.

أصنع من كلماتي عصافيرَ ورقية، وأطيرها.
كتابات آخر الليل خطيرة على متجرعها -تقول النشرة الطبية-
يُحفظ بعيداً عن متناول يد التائهين -تهمس النشرة الطبية-
كتابات آخر الليل تتوه في العتمة، وتغيب، وتكسر قلب الشاعر.
وكتابات آخر ليلي تتكثف في سقف العالم منذ بداية الرحلة؛ 
سحاباتٍ صغيرة معتمة/
تأكل السحابات أوراق النجوم
تقتنص العصافير الهشة
وفي الصباح تمطر السماء أجنحة معتمة وهياكل ورقية..
فأعيد تدوير كتاباتي القديمة/
امنحهُّن حياة جديدة -أقول لنفسي- وأنفخ في أقصوصة الورق/
أقول لنفسي أشياء عديدة،
هل يمكن للكتابة أن تشبه الطبخ -في صدقٍ- أو أنها لن تفعل؟
ربما أغزل الكتابة وأحيك للعصافير منها ثياباً 
مضادة للعتمة.

A Waterfall Singing Into a Sea of Silence - III





[.....] I am amused with the funny fresh feeling in my wings; I am amused to the tempting sensation of getting lost where every direction seems like a forward to me. 

Where to go now? I see my reflections clearer than ever, I know what I want but I am floating like a steam boat with no coal. It never gets easier, that is the new truth and the only principle about life as I see it now; it never gets easier but I become better at coping with it. I stay a little bit shorter in bed every new morning, I eat cleaner food, I channel my despair and frustration into running and meditation… the one thing I really need is coming too slow to be enough, I write. I write, but it is not enough for those waiting my writings; I wonder what is holding me back if it wasn’t fear? What is crippling me and my soul that hard? The words I have not written condensed together and made a sea of songs. I rest in the waters of the sea inside of me when I am tired of flying. I take a never ending deep breath and I feel how my body greets the air flowing inside of me. The exhaled air carries many songs from the sea inside of me and my entire body resonates with it like a vintage wooden music box. I am fully connected to myself and the world. I see my sadness, I touch my fears, I push my body to the next trustless step, I set my sails into a sea of faith.

At the end of the day I lay down on a sheet of fresh green grass that is hidden between the realms of my existence, I gently stretch my muscles and then release them, I inhale a never ending deep breath, I exhale a never ending lullaby; the songs I have not sung transcend throughout the layers of my disappointment and depression… they transcend outside all the realms I can see, outside the whole universe…. The songs I have not sung whisper quietly to me and lift me like a cloud of green stardust… I am transcending, I am limitless, I am wide awake; I am a word written on the milky ways with bones and flesh and a humane soul.


"I move slow and steady
but I feel like a waterfall..."
 [Relief]

A Waterfall Singing Into a Sea of Silence - II



April, I am wide awake; I cannot tell how many days have passed since my voice came back to me. I am wide awake, I am lost in the white of my bed sheets and I take a never ending deep breath, I close my eyes and I quietly pluck one feather of depression at a time. The deep roots of my depression scream in pain, they clench too hard on my flesh. My pain becomes too big to be felt anymore. I pluck harder and harder, every feather takes away a chunk of beating flesh and neurons. I pluck them harder. The white of my bed sheets is lost into the bleeding disfigured feathers; the spooky nightmarish feathers that are not mine anymore, and the flesh that’s tied to my soul with letters and ink and the dust of burned dreams. I am wide awake. Walking is like flying, I am so empty, I am filled with little deep holes, dark and bleeding; I put on some light perfume, a nice t-shirt and a pair grey of sneakers; my hollowed body has become perfect, so perfect for drifting and flying; a messy cloud of bone dust and dried flesh is floating above a sea of silence and mountains of disappointment. 

May, where to go now? The words I have not written squeezes through my hollowed chest and fill the holes, they sprout little green and blue feathers. Where to go now? The words I have not written are heavy. They pull me downwards and slice through the cloud, the sound waves carry me, and I kindly stretch my featherfull wings, I take a never ending deep breath and I clap them together… I am amused with the funny fresh feeling in my wings; I am amused to the tempting sensation of getting lost where every direction seems like a forward to me.