‏إظهار الرسائل ذات التسميات سحر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سحر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 يوليو 2016

كيف تعثرت ليسيل ميمنجر بأصابع أحمد حوزة؟


الجمعة 8 يوليو 2016، العاشرة مساءً
(1)
   [.....]

(2)
هل كتبت أنني جلست الأسبوع الماضي وترجمت فصل التمهيد في رواية سارقة الكتب؛ يا تُرى كيف يكون لون صوت الموت، راوي الحكاية. كيف كان الموت ليصف لون السماء حين رآني أحدق من نافذة الميكروباس الأبيض، أراقب كيف تعبر السيارات في قوس واسع حول جثة الرجل المسجى بصفحات جريدة الصباح –هي أقصى فعلٍ من أفعال المواساة استطاعت إنسانية العابرين أن تخرجه من قلوبهم- كأن الموت عورةٌ تبرع أحدهم بتغطيتها بحبر سطور الجريدة ثم تجاهلها الجميع. يتعسر علي أن أضع ذلك المشهد في كلمات عادية؛ الصورة في ذهني ما زالت تتغير كقدر يغلي على النار منذ عامين. أستبدل الجثة بشجرة؛ لو كانت شجرة لانتبهوا سريعًا وقطعوها. لكن الرجل كان جثة ولم يكن شجرة. هل كان الراجل خفيًا. هل كان صخرة. هل كنت أنا الصخرة. قرأت في كتاب ما أن متخصصي علم النفس يفسرون مثل هذا الفعل بما يسمى «تأثير العابرين»: لا أحد يتدخل في نهاية الأمر، لأن كلًا منهم يعتمد على ظنه أن شخصًا آخر سوف يبادر بتوفير المساعدة الكافية بكل تأكيد؛ إذًا لا ضرورة لما يمكنني تقديمه. لكن التنظير ينهار أمام معاينة الحقيقة. جلست جوار أبي بالأمس وأخبرته أن الأدب المقارن قد يكون أن أقرأ رواية سوزاك، ثم أطرح أنها تعبر عن اللحظة الواقعة هنا في في مصر، وأن أستطيع الدفاع عن هذا الطرح في جدل متماسك مُقنع. محاولات أبي الدائمة لفهم عالمي ومشاركتي لما أراه وما أخطط له تسعدني دائمًا. الحقيقة أن أبي هو أفضل الأباء الذين عرفتهم، أكتب هذا بكل سلاسة ودون انحياز أو تردد. سأختار أبي في كل حياة يُسمح لي فيها أن أختار أبي. إذًا فقد جلست وأنصت جيدًا لصوت زوساك، ثم صوت الموت، ونظرت إلى عالم الرواية عبر عيونه. حين قرأت الرواية منذ تسعة عشر شهرًا أردت بشدة أن أساهم في كيان ذلك العمل بأكثر من القراءة. يمكنني أن أتناوله في دراستي، أو يمكنني –ربما لو كنت أقوى وأشجع- أن أترجم هذا النص الفاتن. يبدو أنني تغيرت كثيرًا في هذه الشهور العديدة. ربما أصبحت أكثر استيعابًا لروح الترجمة، أصبحت أدواتي أكثر ألفة وصلةً بي؛ لكن هل أصبحت أقوى وأشجع؟ فاجأتني السلاسة التي ترجمت بها النص رغم أنني لم أعد قرائته بعد تلك المرة الأولى. افتتاني بهذا النص جعلني أعيد النظر فيما يصفه الأكاديميون بالـ«ثقافة الشعبية» جعلني أعيد النظر فيما أريد أنا من كتابتي أن تكون. واستغراقي في هذه الترجمة جعلني أعيد سؤال نفسي «هل تهرب بالترجمة من الكتابة؟». إذًا فقد جلست، وأنتجت ترجمة ترضيني خلاف العادة. وعزمت على الاستمرار في ترجمة الرواية لأجل متعتي الشخصية أولًا. ربما لأجل شيء آخر يستعصي عليّ تحديده الآن. الآن يتردد صوت الحكاية في رأسي، أترجم ألوان الصور والخطوات والأصوات المتشابكة إلى علامات الرواية وأبجديتها. أنا الآن أقربُ لذلك العالم المبني في المساحات الوسيطة بين الحقيقة والخيال مما أنا أقرب للكرسي الخشبي والطاولة الخفيفة التي أستند عليها. هل أعيش لحظة مهمة الآن ساكتب عنها لاحقًا؟ هل سأقتبس هذه السطور القليلة في مقالة أو تدوينة ما بعد شهور ستة أو بعد سنة؟ هل سأكمل ما بدأته أم سأتخلى عنه كما هي عادتي الوسخة. يمكنني فقط أن أصف غرابة اللحظة. كيف تنهال علي أسئلة عديدة غير متوقعة، وكيف تنهار علي مشاهد الرواية التي أشتبك معها وصورها، كأنها تقاوم الترجمة أو تقول أنها أكبر وأبعد مما يمكنني حمله من بستان لغة زوساك إلى لغتي. أفكر أنني أحاول أن أبني بيتًا من القرميد، لكن يبقى بمقدور من يصعد درجات سلالمه أن يسمع أزيز ألواح الخشب في بيت مشيّد في زمان ومكان آخرين سابقين. هذا هو نوع السحر الذي أمتلكه بين يدي. هذا هو الفعل المدهش الذي أدرب نفسي لأجله منذ حيواتٍ عديدة. فمتى أصبح أنا مصدرًا للسحر؟ 

ارتديت جلد ليسيل (الآن علي أن أسأل هل تنطق ليزيل أو ليسيل) وركضت في شوارع المدينة، سرقت عددًا قليلًا من الكتب. هل أكذب حين أقول أن زوساك هو من ورطني في هذه الفعلة المشينة. لا يمكنني أن أفسر هذه الفعلة أو أن أصف الرغبة الجارفة التي دفعتني لتجربة سرقة الكتب. لكنني فعلتها على أية حال والغريب أنني لست نادمًا. إطلاقًا. غياب مثل هذا الندم يخيفني أحيانًا. كأن أسرق كتابًا من شخصٍ تعرفت عليه للتو. أنفّذ غرضي، وأراهن نفسي على نجاح خدعة بصرية مرتجلة. لا أصدق أنني أقدمت على ذلك فعلًا. سرقت كتابه وتجولت لساعات في وسط البلد، اشتريت حزمة وردٍ بلدي ثم ركبت من العتبة متجهًا إلى محطة الأهرام. كان الخط الثالث ما يزال فارغًا وشبه مجهول في ذلك الوقت، جلست على مقعد فارغ ثم جلس فلان إلى جواري في آخر لحظة قبل أن ينطلق القطار. «إيه الصدفة الحلوة دي» قالها وابتسم، ثم سألني عن الكتاب الذي أحمله في يدي؛ أريته له فابتسم مرة أخرى وأخبرني أن لديه نسخة مماثلة من الكتاب ذاته. لا يدري أنه ينظر إلى نسخته الخاصة. ثم قضينا المسافة في الحديث عن تقنية الكاتب في بناء رواياته السابقة، وكيف يزعجني أنه اختار تغيير عنوان الرواية في هذه الطبعة الجديدة. انتهت الرحلة. تبدو الذكرى غريبةً الآن بعد كل هذا الوقت كأنها تخص أحدًا غيري. كأنها تخص سارقة الكتب. هل جرب زوساك أن يسرق كتابًا ليختبر ما شعرت به ليسيل حين سرقت كتابًا من مكتبة بيت العمدة؟ كما قلت، لا أشعر بأي ندم، بالتالي لا ذنب، ولا بارانويا تعاقبني بها نفسي كما جرى للفتاة. هل يمكنني الآن أن أعترف أن بداخلي لصًا صغيرًا يتسلى بالجريمة. متأكد أنني كتبت ذلك من قبل في أحد دفاتري. إذًا فقد قرأت كتابًا فاتنًا، أردت أن أشتبك معه ولكن كنت أقل شجاعة في ذلك الوقت، ثم سرقت عددًا من الكتب لأجل التمادي في اختبار ذلك النص الفاتن؛ ثم قضيت شهورًا طويلة أدور حول رغبتي ولا أقترب منها؛ ثم جلست وهربت أخيرًا إلى الترجمة التي أشتهيها؛ وها أنا أنظر إلى تلك البداية في مرآة الكتابة. أعلم أن هذه اللحظة ستبدو مثل ندبة مغوية للمس على صدري. يتبقى الآن أن أتابع السير على هذه الدرب حتى نهايتها بلا كلل. إلى أين قد تقودني الحكاية، وإلى أين ستقودني؟


[يقول الراوي]
آخر مرة رأيتها كان الأحمر. كانت السماء كحساء، يغلي ويبقبق. كانت محروقة في بعض المواضع. كان هناك فتات خبز أسود، وفلفل، منثور ومموه عبر الحمرة.
في وقت مبكر كان أطفالٌ يلعبون الحجلة هناك، في الشارع الذي بدا كصفحات ملوثة بالزيت. حين وصلت كان ما زال بإمكاني أن أسمع الأصداء. الأقدام تنقر على الأرض. أصوات الأطفال يضحكون، والابتسامات كالملح، لكنها تذوي بسرعة
ثم، قنابل.
هذه المرة، كل شيء كان متأخرًا. جدًا.
صافرات الإنذار. صراخ صافرة الغارة في الراديو. متأخرين. جدًا.
في ظرف دقائق، تلال الخرسانة والتراب تراكمت وتكومت. الشوارع كانت أوردة ممزقة. جرى الدم حتى تجلط على الطريق، وبقيت الأجساد عالقة هناك، كأخشاب مكومة بعد سيل.
كانوا مثبتين بغراء إلى الركام، كل واحد منهم كان. باكتة من الأرواح.
أكان هذا القدر؟
النحس؟
أكان هذا ما غرّاهم إلى الركام هكذا؟
بالطبع لا.
لن نكون أغبياء هنا.
الأمر أكثر ارتباطًا بالقنابل المقذوفة، تلك التي ألقاها بشرٌ يختبؤن في سحب السماء.
نعم، كانت السماء الآن حُمرة مُدمرةً، منزلية الصنع. لقد تم تمزيق البلدة الألمانية الصغيرة مرة أخرى زيادة. رقائق ثلج الرماد كانت تهطل، جمالها الآسر كان ليغويك فتمد طرف لسانك لتمسك بها، تتذوقها. كانت فقط لتحرّق شفتيك. كانت فقط لتطهو فمك.
بالطبع، كنت أراها.
كنت على وشك الذهاب حين وجدتها جاثية على ركبتيها هناك.
سلسلة من جبال الأنقاض كانت مخطوطة، ومصممة، ومشيدةٌ تحيط بها. كانت الفتاة متشبثة بكتاب.
وبغض النظر عن أي شيء آخر، أرادت سارقة الكتب بكل يأس أن ترجع إلى القبو، لتكتب، أو لتقرأ من قصتها مرة أخيرة. أرى الأمر الآن بكل وضوح، في إدراك متأخر. كانت الفتاة لتموت من أجل ذلك –من أجل أمانه، وسكناه- لكنها كانت عاجزة عن الحركة. وأيضًا، حتى القبو لم يعد موجودًا أصلًا بعد الآن. لقد أصبح جزءًا من المنظر المشوه.
من فضلك، مرة أخرى، أرجوك أن تصدقني.
أردت أن أتوقف. أن أجثو على الأرض.
أردت أن أقول:
«أنا آسفٌ يا صغيرة.»
لكنه أمرٌ ممنوع.
لم أجثُ على الأرض. ولم أتكلم.
لكنني، راقبها لفترة. عندما استطاعت الحركة، تبعتها.
ركعت على ركبتيها.
فاضت سارقة الكتب بالعويل.
كتابها داسوا عليه مراتٍ عدة عندما بدأ التنظيف، ورغم أن التوجيهات كانت فقط بخصوص إخلاء فوضى الخرسانة، أغلى مقتنيات الفتاة تم إلقاؤه على متن شاحنة نفايات، وهي اللحظة التي وجدتني فيها مُجبرًا. قفزت داخل الشاحنة وتناولته في يدي، غير مدرك أنني كنت لأحتفظ به وأتصفحه عدة آلاف من المرات على مدار السنين. كنت لأشاهد المواضع حيث تقاطعت دروبنا، وأتعجب مما قد شهدته الفتاة وكيف نجت. هذا هو أحسن ما أستطيع فعله –أن أراقب حكايتها تنطبق على كل شيء آخر قد شاهدته خلال ذلك الوقت.
حيث أستدعي الفتاة في خيالي، أرى قائمة طويلة من الألوان، لكن الألوان الثلاثة التي قد رأيت فيهم الفتاة نفسها أمامي هي أكثر ما يتردد في خيالي. وأحيانًا أتمكن من الطفو بعيدًا فوق هذه اللحظات الثلاثة. أبقى ساكنًا هناك في الأعلى، إلى أن تنز حقيقة ملوثة وتنزف في اتجاه الوضوح.
عند ذلك أراهم يتشكلون.
الألوان
أحمر:      أبيض: ⃝ أسود:  卐 
يسقطون فوق بعضهم البعض. سواد حبر التوقيع، فوق بياض الكوكب الباهر، فوق حمرة الحساء السميكة.
لكنني، غالبًا، ما أتذكرها، وفي واحدٍ من مجموع جيوبي الشاسعة العديدة، قد احتفظ بقصتها لأحكيها مراتٍ عديدة. إنها واحدة من فيلق صغير أحمله معي، كل حكاية استثنائية في ذاتها. كل واحدة منها محاولة –إنها وثبة هائلة تحاول- تحاول أن تثبت لي أنكم، وأن وجودكم البشري، يستحقون العناء.
وهنا ها هي. واحدة منهم.
سارقة الكتب
إذا كانت لديك الرغبة، فتعال معي. سأسمعك حكاية.
سأريك شيئًا ما.


الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق بريد يطفو على صدر ليلة



اليوم: العاشر.
المكان: أمام بحر.

ماذا تقول الرحلة؟
تقولُ أبحر. تقولُ أبحر. تقولُ أبحر.

روحُ الرحلة تتلبسني، تهمس في صدري،
تملك أمري كله،
تدفعني كي أُبحِر في عاصِفتِك؛

أصنع طوفاً من كلماتي/
من أعوادِ الياسمينِ وأغصانِ الليمون،
وزهور المشمشِ وخيوطِ الشمسْ/
أصنع مرساةً من حجرٍ فيروزّيٍ/
ساريةً من عاجْ
وشراعاً
من ثوبك الأزرق التائه في عينيّ منذ عرفتك/
ثم أبحر في عمق لياليَّ بلا دفة...

(...)

اليوم: تاهت الأيامُ بعد أولِ ألف.

من أنتِ؟

هذي الليلةُ،
أمواجكِ تغمرُ طوفي...
تحيي طيفي/
أتذكَّرُ
في مرآتي:
كنتِ أرق من صباح ربيعيٍّ
وأبهى من سمائه،
ساحرةً كفجر ليلته الباردة نسبياً
/وكنتُ أسهرْ/
كنتِ دافئةً في عينيِّ
مثل شمس الصباح الربيعي المستيقظة بعد كسل الشتاء/
أتذكرُّ
في عينيَّ كنت بريئة كروح الطفولة
وغامضة كقلب هذا المحيط الفسيح/
أمام عينيِّ تبتعدين في إصرار أمنيةٍ تؤمن أنها
ليست لي./
عزيزةً عليّ/
وقريبةً
كالألم المحيّر في أوصالي.
كنتُ أسلّم أمري للموج
وأشهد أني أحبك.
وكان الموجُ يدفعني
نحو بحورٍ جديدة...
/ما زلتُ أسهرْ/

(...)

اليوم: أربع سنواتٍ؟ خمسة؟
اختلط الأمرُ علي بعد البحر الأول.

أصنع من كلماتي عصافيرَ ورقية، وأطيرها.
كتابات آخر الليل خطيرة على متجرعها -تقول النشرة الطبية-
يُحفظ بعيداً عن متناول يد التائهين -تهمس النشرة الطبية-
كتابات آخر الليل تتوه في العتمة، وتغيب، وتكسر قلب الشاعر.
وكتابات آخر ليلي تتكثف في سقف العالم منذ بداية الرحلة؛ 
سحاباتٍ صغيرة معتمة/
تأكل السحابات أوراق النجوم
تقتنص العصافير الهشة
وفي الصباح تمطر السماء أجنحة معتمة وهياكل ورقية..
فأعيد تدوير كتاباتي القديمة/
امنحهُّن حياة جديدة -أقول لنفسي- وأنفخ في أقصوصة الورق/
أقول لنفسي أشياء عديدة،
هل يمكن للكتابة أن تشبه الطبخ -في صدقٍ- أو أنها لن تفعل؟
ربما أغزل الكتابة وأحيك للعصافير منها ثياباً 
مضادة للعتمة.

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


السبت، 6 سبتمبر 2014

حتى الثمالة أكتُب، حتى الثمالة....



«...
أسمع أمي الجميلة النقية تغني:

«ممكن نوصل أبعد نجمة
ممكن نكتب أصعب كلمة
لو نتعلم..
إزاي ناخد..
أول خطوة..»
وأعاهد نفسي أن أخطو خطوتي الأولى... الآن!

أقرأ ما نقله نيبو عن فرانسواز ساجان «عليّ أن أبدأ الكتابة لكي تأتيني الأفكار» وأقول لنفسي لما لم تبدأ حتى الآن... لما تخشى البدايات بكل هذا القدر... لما تتراجع، لما تتقهقر... أعرفُ أنك تخشى غموض ما قد يأتي... أعرف أنك تهاب المغامرة التي عليك ان تواجهها قريباً... التي ستفقد مفاتيحك إليها إن لم تجمع شتات نفسك وتنجز ما عليك أن تنجزه.

عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته، وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة... ربما حضنٌ طال انتظاره. وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح... هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها...

الآن تكتب حتى تصل إلى بئر راحتك المؤقتة..
الآن تكتب حتى تصل إلى بقعة عشبٍ وثيرة مطمئنة..
الآن تكتب وحسب،
لا تشغل نفسك بلون النهايات،
لا تشغل نفسك بمثالية خطوتك المطبوعة بين السطور..



الآن تكتب.
تكتبُ... تكتبُ.. تكتبُ

تكتبُ حتى الثمالة..»


السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الاثنين، 14 يوليو 2014

هاتعمل إيه يا ولد












وهاتعمل إيه يا ولد
في قلبك المقبوض
وقطعة الكهربا
والناموس اللي بيلسع من فوق الغطا
والعتمة
والوجع

ليل الصيف المخطوف
وحر الليل غلب حر النهار
وتقاسيم ع الكمنجة مكتومة في صدرك
والعتمة أتقل م النور في قلبك
والدوشة في الشارع رغم العتمة طالعة
ونسمة طراوة على استحياء
وحيرة
ونفحة منتظرة من الفجرية
وغجرية مسحورة بتستناها
والنوتة سلالمها مكسورة

والحيرة
والعتمة
والوجع
وريشة المروحة الساكتة
وصوابعك المشلولة عن الكتابة
وأفكارك الشاردة
والصبر
وأستاذك الطيب
وواو العطف
بتلضم تفاصيل المسا
في عُقد في خيالك
نقطة من وجع روحك
متدوبة في بحر أبيض
من الياسمين

دم المحابر
محبوس تحت طبقات الأسى
متحاصر بالمخاوف
مخلوط بالدموع
ودخان الشموع
وأحلام الورق
وقلبك المقبوض
ينتفض
ينصعق بالحزن
ينتفض
يدوق طعم الهلع
ينتفض
كل شيء في بحر الياسمين أبيض
قلبك المقبوض
يسكن
يدوق النور
ينتبه على لسعة ناموسة
يكتشف سكون آخر ساعات الليل
ويتوه في حيرته
ويكتب كلام
مفكفك زي حلمه


وهو صغير كان بيحلم بالسما
نجومها قريبة
مش ناقصه غير إنه بس شوية يكبر
ويلمسها
ويعرف طعمها
لكنها
طلعت أكبر.


السبت، 14 يونيو 2014

قليل من السحر


قليل من السحر
يضبطُ إيقاع الحياة
على اهتزازات أوراق الشجر
يرفع الرحلة على عرش التجربة
يسكب الفرحة في كؤوس البدايات
وينفض الهم عن أكتاف النهاية المُرهَقة

قليل من السحر يكفي
ليغرسَ في الدربِ برعم نور
يزهر في وجه الاحتمالات
ويكسر اندفاع سيل الغموض
وسط سهول الغدِ

قليل من السحر يكفي
ليغرس حبة خضراء في القلب
تزهر في الأشهر الذابلة
تحنو حين يغيب الأحبة
تحكي حين يهرب الليل منا
حكاياتٍ عن الندى والمدى والمطر
تشير إلى الشمس حين يغيب النهار
وتثمر عصافير بيضاء وسحباً رمادية صغيرة

قليل من السحر يكفي
لترقص أوراق الشجر المنفوضة
على وقع خطواتنا الصاخبة
لتهرب زهرات من انقضاء مواسمها
ولينفض طير أجنحته من بين براعم العشب العشوائي
حول شجرة تين
يكفي ليطفو محصول قمحٍ لأعلى
في رحلة أبدية
نحو نور بعيد

قليلٌ من السحر
يكفي
للمس تجاعيد وجه الحياة
يكفي
لنحترف السير
على خيوط الروح الممتدة بين القلوب
يكفي
لنبني في عتمة الليل مدينة
من بيوت الشعر
يكفي
لحياكة نهر حكايا جديدة
يجري بين بيوت مدينتنا
يدور حول جبال الأمنيات
ويصعد نحو سماء بعيدة
يخلط الغيم بالطمي
ويغرس فيه
قلوباً خضراء
وقناديل مضيئة




الخميس، 24 أبريل 2014

من أخبار ما شهدته شجرة المانجا في الصيف الماضي

               



كان النسيم عليلاً، رغم الساعة الثانية ظهراً وموجة الحر المبكرة، وكان غناء العصافير شهياً واستدارات ثمار المانجا الخضراء الصغيرة مغرية بالأمل في الحياة... وكنت أجلس هناك تحت شجرة المانجا، مواجهاً أميرتي البيضاء... أحاول بجهد كبير أن أستجمع شتات أفكاري وشجاعتي وجرأتي... أحاول تعطيل كل منبهات الأخطار بداخلي، أتجاهل صوت العقل، أعزف كل الموسيقى الملحمية في ذهني، ثم أعزف كل مقطوعة مسالمة في اللحظة التي تليها، يدور الكلام منغماً في ذهني لكنه لا يخرج أبداً للنور.. وأعرف أنني أمضي إلى ما لست أعرف...


أجلس بجوارها، أدرك أن على وجهي ابتسامة غريبة، تتراوح بين الخجل ونشوة السعادة... صامتاً، أحاول أن أنطق ولا أستطيع.. أحرك شفتي بغير صوت، أنظر في عينيها أتأملها، أحاول أن أتأكد للمرة الألف ألف أنني لن أُميلَ قلبي إلى فراغ... أبتسم وألعب الموسيقى في عقلي، أصوات جوقة من الاطفال تهدهد روحي.... قلبي مرتبك، أعصاب ساقي اليسرى تتحرك بغير إرادتي، يدي ترتعش خفية... ترتسم الحروف مرة أخرى ولا تبين لها...


وكانت أميرتي جميلة، ربما أكثر جمالاً من كل مرة مضت.... وكنت أعلم أنها تتوقغ اعترافاً من نوع ما، كنت أعرف أنها تحدثت إلى صديقنا المشترك بشأن ذلك المجهول الذي دعاها إلى الغداء، لكن لم أعلم أنها تستبعد أن يميل إليها لأنه (أكثر روعة؟) مما تستحق هي! – بينما هي لا تعلم أنني أراها الأكثر روعة، والأطيب روحاً والأنقى.. الأنقى مما أنا عليه... 


ثم أُخبرها.... أُخبرها ان "حكايتنا" تحتاج مدداً عظيماً من الشجاعة لتُروى... أُخبرها أن الحبَّ يقشِرُني كالبرتقالة؛ يفتحُ في الليل صدري، ويتركُ فيهِ: نبيذاً وقمحاً وقنديلَ زيتْ. أُخبرها أن قلبي تعب من التقلُّبِ: يبحث عن قلبٍ يؤمن به يستند إليه... وأن غاية سعادته في سُكناهما، لكنه يخشى أن يميل إلى فراغٍ مرةً أخرى فينكسر... وأُخبرها أنها إذا ما أمالت قلبها قليلاً نحو قلبي لربما سكن القلبان وأنبتا برعماً جديداً يُزهِرُ بصفاء الحياة... ولا أُخبرها أنَّ حنيني يكوي أضلُعي، لا أُخبرها كم أشتاق... أتلعثم حينَ أنظرُ إلى عينيها مرة أخرى.. وتغمرني روحُ طفولةٍ آسرة... لا أقولُ من ذلك كله حرفاً واحداً... أبني كلماتي وأهدِمُها مرة تلو الأخرى.. ولا أدري ما الذي تخشاه.. أتساءل أين المعنى وأين الحقيقة.. أميرتي البيضاء المشرقة: أين السبيل إلى عينيكِ؟... تماسكي قليلاً ولا تكُوني عصفورةً هاربة!