‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائح. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 مارس 2018

ألعاب مكسورة



«صدري كالحديقة. صدري كالحديقة مغمور بموسيقى مكتوبة. وقلبي اليوم شجرة كبيرة قديمة رأسها محاصرةٌ بسقف لا وجود له. تهرب العصافير وتنام في جحورها الخفية. أقرأ الموسيقى في رأسي. أوراقي إما قصيرة أو صفراء جافة. لا يمكنني نطق هذه النوتة أو غناء ذاك المقام. قلبي اليوم شجرة تسيل الموسيقى في أوردتها دون أن يسمعها أحد. يهرب قلبي وينام في جحره. شجرة عتيقة هائلة ملتفة مثل قطة كانت مذعورة قبل أن تغط في نومها -في جحرها، تحت أغطية دافئة منطفئة الألوان. أقرأ خمسة أبياتٍ من الشعر. أعزف سلمّا موسيقيًا واحدًا؛ بطيئًا ومهزوزًا. صدري حديقة والحزن جدارٌ من الضباب. الحزن بحر رأسي تسقط أمواجه ولا تقوم. يتسرب الملح بين جذور حديقتي ويجرح اوردتي. هذا النصّ مكسور ورمادي وملوّث. أذناي أيضًا مكسورتان الليلة، وأصابعي، وقدرتي على الكتابة. أقرأ خمسة أبيات من الشعر: هرميا تصحو من النوم مفزوعة لأن أفعى قد التهمت قلبها الصغير في المنام بينما جلس لايسندر يشاهد مصرعها دون تأثر*. بصعوبة أصعد من الدو إلى الدو، نوتاتي مهزوزة ومترددة وأحيانًا تتوه في صدري فلا تعبر نحاس الترومبيت. أكتب سطرًا واحدًا يقول «هنا الغابة، مرحبًا بكم. جميع الأقنعة التي قد ترتدونها هنا قد تكون حقيقية.» وأنام ساعات طويلة بجوار القطة البيضاء المرتابة دائمًا. أنام أطول مما ينبغي. تمل القطة من النوم فتخمش الباب الأبيض المغلق وتشد أصابعي وتموء وتموء كي أنهض من سريري المنخفض وأُدخل النور. أتأرجح حتى الباب. أغمر نفسي في الماء البارد. أغمض عيوني جميعًا. صدري. البحر. لحاء الشجرة. أصابعي. اللغة. وجودي. القمر الأحمر المعلق في سماء الليلة. الليلُ. الليلة أكتب. أربع دقائق بعد تمام الحادية عشرة. يسيل الوقت. يجرف أوراق الحديقة ويلتهم خضرتها. يزحف الوقت فوق الشجرة في حديقتي حتى يتشقق لحائها وتهتز. يجري الوقت ويطوقني. ينزع عني ثيابي. يلتهم الشمس. يخصم من مساحة الحديقة يومًا آخر. يقطع حبل الأرجوحة. يلوث زجاج شباكي الوحيد. يعصف بعواميد الكتب الصاعدة من أرضية غرفة الدراسة. يتعب الوقت ويتسلل إلى فراشي. ينسى الوقت نفسه ويبلل فراشي. يختبئ ويتركني في أرق أنتظر جفاف الملاءات والأغطية. يدور العالم. تنهض شمس. لا نوم الليلة. ما زال النص 
مكسورًا كوجهي. ما زال 
النصُّ مكسورًا
 كوجهي.
كوجـ
هي
مازال
النصّ
مكسـ
ورً
ا.
أ
نا
أعبث
فقط أعبث
مثل طفل يحاول
أن يخدع طفلة كي تغمض 
عينيها وتتظاهر أنها لا تعرف خلف أي الأشجار سيختبئ (...) وصدري كالحديقة. والقلب شجرة. والبحر العمودي تهبط أمواجه ولا تقوم. والملح في أوردتي –يشبه الدم- والنهر يجري فيه الوقت –سائلًا- لا يتك ولا يدق. تتصاعد الحديقة كالدخان. موسيقى الحديقة تلذع كحبة فلفل حارة. طيور الحديقة تموت مرتاحة في نومها داخل جحورها. الشجرة العتيقة تخلع جلدها دون اكتراث. أنبش أرض الحديقة باحثًا عن مفتاح للنص أو خاتمة تؤطر شتاته ولا أجد. النص مكسور مثل صورتي في عيني. والكتابة تزور حديقتي حين تريد وتحط حيث لا تطالها أصابعي. وأنا –أسير على أرض ضيقة وخطيرة كحبل مشدود بين شجرتين عتيقتين هائلتين فوق غابة ممتدة كمحيط من الأمواج الخضراء والكلمات والقوارب الصغيرة المهجورة...»

                                                                                                                         القاهرة - 16 مارس 2017




* الأبيات المقصودة من مسرحية حلم ليلة منتصف صيف، للزميل شكسبير طبعًا:
"Help me, Lysander, help me; do thy best
To pluck this crawling serpent from my breast!
Ay me, for pity; what a dream was here?
Lysander, look how I do quake with fear:
Methought a serpent ate my heart away
And you sat smiling at his cruel prey."
A Midsummer Night's Dream (2.2.151-6)

الجمعة، 8 يوليو 2016

كيف تعثرت ليسيل ميمنجر بأصابع أحمد حوزة؟


الجمعة 8 يوليو 2016، العاشرة مساءً
(1)
   [.....]

(2)
هل كتبت أنني جلست الأسبوع الماضي وترجمت فصل التمهيد في رواية سارقة الكتب؛ يا تُرى كيف يكون لون صوت الموت، راوي الحكاية. كيف كان الموت ليصف لون السماء حين رآني أحدق من نافذة الميكروباس الأبيض، أراقب كيف تعبر السيارات في قوس واسع حول جثة الرجل المسجى بصفحات جريدة الصباح –هي أقصى فعلٍ من أفعال المواساة استطاعت إنسانية العابرين أن تخرجه من قلوبهم- كأن الموت عورةٌ تبرع أحدهم بتغطيتها بحبر سطور الجريدة ثم تجاهلها الجميع. يتعسر علي أن أضع ذلك المشهد في كلمات عادية؛ الصورة في ذهني ما زالت تتغير كقدر يغلي على النار منذ عامين. أستبدل الجثة بشجرة؛ لو كانت شجرة لانتبهوا سريعًا وقطعوها. لكن الرجل كان جثة ولم يكن شجرة. هل كان الراجل خفيًا. هل كان صخرة. هل كنت أنا الصخرة. قرأت في كتاب ما أن متخصصي علم النفس يفسرون مثل هذا الفعل بما يسمى «تأثير العابرين»: لا أحد يتدخل في نهاية الأمر، لأن كلًا منهم يعتمد على ظنه أن شخصًا آخر سوف يبادر بتوفير المساعدة الكافية بكل تأكيد؛ إذًا لا ضرورة لما يمكنني تقديمه. لكن التنظير ينهار أمام معاينة الحقيقة. جلست جوار أبي بالأمس وأخبرته أن الأدب المقارن قد يكون أن أقرأ رواية سوزاك، ثم أطرح أنها تعبر عن اللحظة الواقعة هنا في في مصر، وأن أستطيع الدفاع عن هذا الطرح في جدل متماسك مُقنع. محاولات أبي الدائمة لفهم عالمي ومشاركتي لما أراه وما أخطط له تسعدني دائمًا. الحقيقة أن أبي هو أفضل الأباء الذين عرفتهم، أكتب هذا بكل سلاسة ودون انحياز أو تردد. سأختار أبي في كل حياة يُسمح لي فيها أن أختار أبي. إذًا فقد جلست وأنصت جيدًا لصوت زوساك، ثم صوت الموت، ونظرت إلى عالم الرواية عبر عيونه. حين قرأت الرواية منذ تسعة عشر شهرًا أردت بشدة أن أساهم في كيان ذلك العمل بأكثر من القراءة. يمكنني أن أتناوله في دراستي، أو يمكنني –ربما لو كنت أقوى وأشجع- أن أترجم هذا النص الفاتن. يبدو أنني تغيرت كثيرًا في هذه الشهور العديدة. ربما أصبحت أكثر استيعابًا لروح الترجمة، أصبحت أدواتي أكثر ألفة وصلةً بي؛ لكن هل أصبحت أقوى وأشجع؟ فاجأتني السلاسة التي ترجمت بها النص رغم أنني لم أعد قرائته بعد تلك المرة الأولى. افتتاني بهذا النص جعلني أعيد النظر فيما يصفه الأكاديميون بالـ«ثقافة الشعبية» جعلني أعيد النظر فيما أريد أنا من كتابتي أن تكون. واستغراقي في هذه الترجمة جعلني أعيد سؤال نفسي «هل تهرب بالترجمة من الكتابة؟». إذًا فقد جلست، وأنتجت ترجمة ترضيني خلاف العادة. وعزمت على الاستمرار في ترجمة الرواية لأجل متعتي الشخصية أولًا. ربما لأجل شيء آخر يستعصي عليّ تحديده الآن. الآن يتردد صوت الحكاية في رأسي، أترجم ألوان الصور والخطوات والأصوات المتشابكة إلى علامات الرواية وأبجديتها. أنا الآن أقربُ لذلك العالم المبني في المساحات الوسيطة بين الحقيقة والخيال مما أنا أقرب للكرسي الخشبي والطاولة الخفيفة التي أستند عليها. هل أعيش لحظة مهمة الآن ساكتب عنها لاحقًا؟ هل سأقتبس هذه السطور القليلة في مقالة أو تدوينة ما بعد شهور ستة أو بعد سنة؟ هل سأكمل ما بدأته أم سأتخلى عنه كما هي عادتي الوسخة. يمكنني فقط أن أصف غرابة اللحظة. كيف تنهال علي أسئلة عديدة غير متوقعة، وكيف تنهار علي مشاهد الرواية التي أشتبك معها وصورها، كأنها تقاوم الترجمة أو تقول أنها أكبر وأبعد مما يمكنني حمله من بستان لغة زوساك إلى لغتي. أفكر أنني أحاول أن أبني بيتًا من القرميد، لكن يبقى بمقدور من يصعد درجات سلالمه أن يسمع أزيز ألواح الخشب في بيت مشيّد في زمان ومكان آخرين سابقين. هذا هو نوع السحر الذي أمتلكه بين يدي. هذا هو الفعل المدهش الذي أدرب نفسي لأجله منذ حيواتٍ عديدة. فمتى أصبح أنا مصدرًا للسحر؟ 

ارتديت جلد ليسيل (الآن علي أن أسأل هل تنطق ليزيل أو ليسيل) وركضت في شوارع المدينة، سرقت عددًا قليلًا من الكتب. هل أكذب حين أقول أن زوساك هو من ورطني في هذه الفعلة المشينة. لا يمكنني أن أفسر هذه الفعلة أو أن أصف الرغبة الجارفة التي دفعتني لتجربة سرقة الكتب. لكنني فعلتها على أية حال والغريب أنني لست نادمًا. إطلاقًا. غياب مثل هذا الندم يخيفني أحيانًا. كأن أسرق كتابًا من شخصٍ تعرفت عليه للتو. أنفّذ غرضي، وأراهن نفسي على نجاح خدعة بصرية مرتجلة. لا أصدق أنني أقدمت على ذلك فعلًا. سرقت كتابه وتجولت لساعات في وسط البلد، اشتريت حزمة وردٍ بلدي ثم ركبت من العتبة متجهًا إلى محطة الأهرام. كان الخط الثالث ما يزال فارغًا وشبه مجهول في ذلك الوقت، جلست على مقعد فارغ ثم جلس فلان إلى جواري في آخر لحظة قبل أن ينطلق القطار. «إيه الصدفة الحلوة دي» قالها وابتسم، ثم سألني عن الكتاب الذي أحمله في يدي؛ أريته له فابتسم مرة أخرى وأخبرني أن لديه نسخة مماثلة من الكتاب ذاته. لا يدري أنه ينظر إلى نسخته الخاصة. ثم قضينا المسافة في الحديث عن تقنية الكاتب في بناء رواياته السابقة، وكيف يزعجني أنه اختار تغيير عنوان الرواية في هذه الطبعة الجديدة. انتهت الرحلة. تبدو الذكرى غريبةً الآن بعد كل هذا الوقت كأنها تخص أحدًا غيري. كأنها تخص سارقة الكتب. هل جرب زوساك أن يسرق كتابًا ليختبر ما شعرت به ليسيل حين سرقت كتابًا من مكتبة بيت العمدة؟ كما قلت، لا أشعر بأي ندم، بالتالي لا ذنب، ولا بارانويا تعاقبني بها نفسي كما جرى للفتاة. هل يمكنني الآن أن أعترف أن بداخلي لصًا صغيرًا يتسلى بالجريمة. متأكد أنني كتبت ذلك من قبل في أحد دفاتري. إذًا فقد قرأت كتابًا فاتنًا، أردت أن أشتبك معه ولكن كنت أقل شجاعة في ذلك الوقت، ثم سرقت عددًا من الكتب لأجل التمادي في اختبار ذلك النص الفاتن؛ ثم قضيت شهورًا طويلة أدور حول رغبتي ولا أقترب منها؛ ثم جلست وهربت أخيرًا إلى الترجمة التي أشتهيها؛ وها أنا أنظر إلى تلك البداية في مرآة الكتابة. أعلم أن هذه اللحظة ستبدو مثل ندبة مغوية للمس على صدري. يتبقى الآن أن أتابع السير على هذه الدرب حتى نهايتها بلا كلل. إلى أين قد تقودني الحكاية، وإلى أين ستقودني؟


[يقول الراوي]
آخر مرة رأيتها كان الأحمر. كانت السماء كحساء، يغلي ويبقبق. كانت محروقة في بعض المواضع. كان هناك فتات خبز أسود، وفلفل، منثور ومموه عبر الحمرة.
في وقت مبكر كان أطفالٌ يلعبون الحجلة هناك، في الشارع الذي بدا كصفحات ملوثة بالزيت. حين وصلت كان ما زال بإمكاني أن أسمع الأصداء. الأقدام تنقر على الأرض. أصوات الأطفال يضحكون، والابتسامات كالملح، لكنها تذوي بسرعة
ثم، قنابل.
هذه المرة، كل شيء كان متأخرًا. جدًا.
صافرات الإنذار. صراخ صافرة الغارة في الراديو. متأخرين. جدًا.
في ظرف دقائق، تلال الخرسانة والتراب تراكمت وتكومت. الشوارع كانت أوردة ممزقة. جرى الدم حتى تجلط على الطريق، وبقيت الأجساد عالقة هناك، كأخشاب مكومة بعد سيل.
كانوا مثبتين بغراء إلى الركام، كل واحد منهم كان. باكتة من الأرواح.
أكان هذا القدر؟
النحس؟
أكان هذا ما غرّاهم إلى الركام هكذا؟
بالطبع لا.
لن نكون أغبياء هنا.
الأمر أكثر ارتباطًا بالقنابل المقذوفة، تلك التي ألقاها بشرٌ يختبؤن في سحب السماء.
نعم، كانت السماء الآن حُمرة مُدمرةً، منزلية الصنع. لقد تم تمزيق البلدة الألمانية الصغيرة مرة أخرى زيادة. رقائق ثلج الرماد كانت تهطل، جمالها الآسر كان ليغويك فتمد طرف لسانك لتمسك بها، تتذوقها. كانت فقط لتحرّق شفتيك. كانت فقط لتطهو فمك.
بالطبع، كنت أراها.
كنت على وشك الذهاب حين وجدتها جاثية على ركبتيها هناك.
سلسلة من جبال الأنقاض كانت مخطوطة، ومصممة، ومشيدةٌ تحيط بها. كانت الفتاة متشبثة بكتاب.
وبغض النظر عن أي شيء آخر، أرادت سارقة الكتب بكل يأس أن ترجع إلى القبو، لتكتب، أو لتقرأ من قصتها مرة أخيرة. أرى الأمر الآن بكل وضوح، في إدراك متأخر. كانت الفتاة لتموت من أجل ذلك –من أجل أمانه، وسكناه- لكنها كانت عاجزة عن الحركة. وأيضًا، حتى القبو لم يعد موجودًا أصلًا بعد الآن. لقد أصبح جزءًا من المنظر المشوه.
من فضلك، مرة أخرى، أرجوك أن تصدقني.
أردت أن أتوقف. أن أجثو على الأرض.
أردت أن أقول:
«أنا آسفٌ يا صغيرة.»
لكنه أمرٌ ممنوع.
لم أجثُ على الأرض. ولم أتكلم.
لكنني، راقبها لفترة. عندما استطاعت الحركة، تبعتها.
ركعت على ركبتيها.
فاضت سارقة الكتب بالعويل.
كتابها داسوا عليه مراتٍ عدة عندما بدأ التنظيف، ورغم أن التوجيهات كانت فقط بخصوص إخلاء فوضى الخرسانة، أغلى مقتنيات الفتاة تم إلقاؤه على متن شاحنة نفايات، وهي اللحظة التي وجدتني فيها مُجبرًا. قفزت داخل الشاحنة وتناولته في يدي، غير مدرك أنني كنت لأحتفظ به وأتصفحه عدة آلاف من المرات على مدار السنين. كنت لأشاهد المواضع حيث تقاطعت دروبنا، وأتعجب مما قد شهدته الفتاة وكيف نجت. هذا هو أحسن ما أستطيع فعله –أن أراقب حكايتها تنطبق على كل شيء آخر قد شاهدته خلال ذلك الوقت.
حيث أستدعي الفتاة في خيالي، أرى قائمة طويلة من الألوان، لكن الألوان الثلاثة التي قد رأيت فيهم الفتاة نفسها أمامي هي أكثر ما يتردد في خيالي. وأحيانًا أتمكن من الطفو بعيدًا فوق هذه اللحظات الثلاثة. أبقى ساكنًا هناك في الأعلى، إلى أن تنز حقيقة ملوثة وتنزف في اتجاه الوضوح.
عند ذلك أراهم يتشكلون.
الألوان
أحمر:      أبيض: ⃝ أسود:  卐 
يسقطون فوق بعضهم البعض. سواد حبر التوقيع، فوق بياض الكوكب الباهر، فوق حمرة الحساء السميكة.
لكنني، غالبًا، ما أتذكرها، وفي واحدٍ من مجموع جيوبي الشاسعة العديدة، قد احتفظ بقصتها لأحكيها مراتٍ عديدة. إنها واحدة من فيلق صغير أحمله معي، كل حكاية استثنائية في ذاتها. كل واحدة منها محاولة –إنها وثبة هائلة تحاول- تحاول أن تثبت لي أنكم، وأن وجودكم البشري، يستحقون العناء.
وهنا ها هي. واحدة منهم.
سارقة الكتب
إذا كانت لديك الرغبة، فتعال معي. سأسمعك حكاية.
سأريك شيئًا ما.


الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق بريد يطفو على صدر ليلة



اليوم: العاشر.
المكان: أمام بحر.

ماذا تقول الرحلة؟
تقولُ أبحر. تقولُ أبحر. تقولُ أبحر.

روحُ الرحلة تتلبسني، تهمس في صدري،
تملك أمري كله،
تدفعني كي أُبحِر في عاصِفتِك؛

أصنع طوفاً من كلماتي/
من أعوادِ الياسمينِ وأغصانِ الليمون،
وزهور المشمشِ وخيوطِ الشمسْ/
أصنع مرساةً من حجرٍ فيروزّيٍ/
ساريةً من عاجْ
وشراعاً
من ثوبك الأزرق التائه في عينيّ منذ عرفتك/
ثم أبحر في عمق لياليَّ بلا دفة...

(...)

اليوم: تاهت الأيامُ بعد أولِ ألف.

من أنتِ؟

هذي الليلةُ،
أمواجكِ تغمرُ طوفي...
تحيي طيفي/
أتذكَّرُ
في مرآتي:
كنتِ أرق من صباح ربيعيٍّ
وأبهى من سمائه،
ساحرةً كفجر ليلته الباردة نسبياً
/وكنتُ أسهرْ/
كنتِ دافئةً في عينيِّ
مثل شمس الصباح الربيعي المستيقظة بعد كسل الشتاء/
أتذكرُّ
في عينيَّ كنت بريئة كروح الطفولة
وغامضة كقلب هذا المحيط الفسيح/
أمام عينيِّ تبتعدين في إصرار أمنيةٍ تؤمن أنها
ليست لي./
عزيزةً عليّ/
وقريبةً
كالألم المحيّر في أوصالي.
كنتُ أسلّم أمري للموج
وأشهد أني أحبك.
وكان الموجُ يدفعني
نحو بحورٍ جديدة...
/ما زلتُ أسهرْ/

(...)

اليوم: أربع سنواتٍ؟ خمسة؟
اختلط الأمرُ علي بعد البحر الأول.

أصنع من كلماتي عصافيرَ ورقية، وأطيرها.
كتابات آخر الليل خطيرة على متجرعها -تقول النشرة الطبية-
يُحفظ بعيداً عن متناول يد التائهين -تهمس النشرة الطبية-
كتابات آخر الليل تتوه في العتمة، وتغيب، وتكسر قلب الشاعر.
وكتابات آخر ليلي تتكثف في سقف العالم منذ بداية الرحلة؛ 
سحاباتٍ صغيرة معتمة/
تأكل السحابات أوراق النجوم
تقتنص العصافير الهشة
وفي الصباح تمطر السماء أجنحة معتمة وهياكل ورقية..
فأعيد تدوير كتاباتي القديمة/
امنحهُّن حياة جديدة -أقول لنفسي- وأنفخ في أقصوصة الورق/
أقول لنفسي أشياء عديدة،
هل يمكن للكتابة أن تشبه الطبخ -في صدقٍ- أو أنها لن تفعل؟
ربما أغزل الكتابة وأحيك للعصافير منها ثياباً 
مضادة للعتمة.

الأربعاء، 25 مارس 2015

التمرحنة لا يزهر إلا بين ضلوعه





 

(1)

متى تطيبُ روحي يا ربي.

 

ها انا أرقدُ/

أصابعي المرتخية معقودة حول أوردتي. ولا أكتب.

أصابعي معقودة ولا أكتب. أصابعي معقودة حول أوردتي فلا تجري الحياة في جسدي كما يجب. وأصابعي مرتخية، كلما استندتُ عليها اصطدمتُ بالأرض. والأرض تشدني طوال الوقت. وجواز سفري أبيض ينتظر الاحتمالات كلها، لكنه بعيد عن أصابعي. نسيت أين وضعته. في الحقيقة نسيت أشياء كثيرة: في أي جيب يرقد، وفي أي بلدة سقط مني قلبي الأخضر، وكم امتدت جذوره البيضاء الطرية خلفي. نسيت تاريخ ميلاد أمي؛ في الحقيقة لم أحفظه أبدًا. ولم أعرف صوت جدي الأول، ولم يتكلم الثاني كثيرًا حتى آلف صوته وأحفظه. رحل جدي ثم ندمت على كل المرات التي قطعت فيها الطريق مسرعًا حيث يجلس وتظاهرت أنني لا أسمع ندائه. كنت غضًا لم أعرف الموت عن قرب، ولم أتوقعه. ثم هبط الموت على بعد إصبعين من قلبي.

 

(2)

هبط الموت في حجر أبي حيث يرتاح جدي. غلّف الموت صوت جدي في أشرطة بيضاء. قبّلتُ رأسه ثم أحكمتُ عقد الأشرطة حول كلماته القليلة وندائه من فوق مقعده على ناصية القهوة ذات الجدران الخضراء. أحمل ماء الغسل الأخير في دلو أبيض، أقطع صالة البيت المكشوفة من أي غطاء في مدارات بيضاوية، ولا أخطو على نفس الموضع مرتين. تركتُ جدي هادئًا ولينًا ووديعًا داخل شرنقة موته البيضاء ورحت أركض عبر طرقات مدينتي الصغيرة. نسيتُ ما الذي أركض خلفه، لكنني ركضتُ أكثر. نعم، كنت أبحث عن مفتاح القبر. في مدينتي الصغيرة يخبؤون الموتى خلف جدران عديدة. ركضتُ ولم أجد المفتاح. كانت الشمس تركض مسرعة منذ الصباح، بينما جدي يطفو داخل شرنقة موته البيضاء فوق مئات الأكتاف والأقدام مسرعًا نحو مسجد المدينة الجامع. تسرع الأقدام نحو بيت الرب، وتسرع قدماي نحو باب القبر المغلق خلف سور حصين. أكسر على الموت بابه المغلق. أضع أصابعي العشرة في عينه اليسرى وأستخرج حدقتها الرخامية الباردة. تهاويتُ على الأرض وتركتُها ترتاح في حجري. سالت حشرات سوداء من تجويف العين، وفاض جو حارٌ وقابض في فضاء المكان. جلستُ ألهثُ من الحزن الراقد فوق أكتافي منذ ليلة الأمس. زحف عم شحاتة داخل عين القبر وأزاح آخر الموتى المرتاحين على سرير الرمل، سَمعتُ العظام تتعثر نحو زاوية القبر المظلمة، ثم تتكوم ببطء فوق جيرانها. قبور مدينتي الصغيرة لا تعجبني. أعرف أنني لن أرتاح إن جلست أنتظر نهاية العالم محبوسًا داخل عين مصمتة من القرميد الأحمر. فتحتُ النوافذ ليغسل الهواء جو المكان. يفيض النور العسلي داخل الغرفة الحليبية. ليلة الأمس أجلستُ جدي إلى جواري على الطاولة الزرقاء، طلبَ كوب حليب بالعسل ولم يكمله. قال «غطّيني»، فوضعته في سريره، أرخيت شاله المعقود تحت ذقنه، فردت البطانية الحمراء الخشنة فوق جسده الممدد، وقبّلت رأسه.

 

(3)

وضع جدي رأسه في حجر أبي، كرر الشهادتين ثم صمتَ قليلًا. نظر إلى السماء، كاد يبتسم ثم.... «يا فرج الله يا قريب يا رب!» قالها ثم نزفت أنفه قطرة دمٍ واحدة ومالت رأسه على حجر أبي. لا أذكر ماذا كتبتُ عن جدي بعدها في دفتري الأخضر القديم، أذكر أنني عدت إلى بيتنا بعد غياب شهر أو يزيد، نسيت حقيبتي مفتوحة بجواري وجلست آكل. عاد أبي إلى البيت في منتصف النهار على غير عادته وجلس بجواري، تناول دفتري وقرأ ما قرأ ثم بكى وضمني إلى صدره في حضن طويل. لم أتجرأ على الكتابة بعدها لشهور طويلة. 

حين رجعت إلى الكتابة لم أجد جدي حاضرًا. سنوات ثلاثة لا تصل إليه كتابتي. ثم يجد هو طريقه إلى دفتري حين جلست ليلة الأمس أكتب عجزي عن الكتابة. ولست أدري لمَ كتبت عن حضور الموت بدل الحياة. جدي الذي عرفته لا يشبه حكايات الآخرين عنه. طفل ثمانيني هادئ ومنكمش. يجلس على ناصية القهوة المواجهة لسور المقابر. يسير بهدوء عبر شوارع المدينة التي لم تتغير في عينيه منذ ثلاثين عامًا. يصف جدي معالم مدينة لا وجود لها. يسأل عن الساعة عند انتهاء النهار مراتٍ عديدة، ينسى الإجابة ويعيدُ السؤال وأتعلم كيف أجيبه دون أن أثير حيرته. يسألني كل ليلة عن أم كلثوم، هل تغني الليلة؟ يتأكد «هي الست لسة عايشة؟» وأعيد الإجابة كل ليلة دون ملل. يرفض تقبل موتها فأحكي له التواريخ والتفاصيل الصغيرة، يقول «تؤ تؤ تؤ، ما تفوّلش ع الست!» ثم يتقبل الحقيقة ويدعو لها بالرحمة، ثم يعيد السؤال في الليلة التالية. يبتسم جدي وهو يحكي «أحمد ابن عادل ربنا يبارك فيه فسّحني إمبارح في اسكندرية». لم أكن عرفت الطريق إلى الاسكندرية حينها، لكنني لا أنكر عليه الرحلة ولا الرضا. «قول لهم يا أحمد!» فأقول «حصل»، ويبتسم الآخرون في تواطؤ. يرفض الطفل الثمانيني تناول أدويته لكنني أقنعه بالحيلة، يرفض الجلوس في البيت وسط النهار لكنني أقنعه بحيلة أخرى، أتفق مع صبي القهوة كي لا يغير له حجر الشيشة أكثر من مرة واحدة، يجلس جدي ويطلب لي كوب ينسون وحين يرفض صبي القهوة تغيير حجر الشيشة يلتفت إليّ جدي قائلًا «تصدق إنت ابن كلب!» ويضحك في استسلام عابث، ويقول «قوم روّحني». نتمشى سويًا، يقرأ جدي الفاتحة ويدعو لأسلافه الراقدين في مقبرة العائلة على ناصية الطريق إلى بيتنا.

 

(4)

أجلس وحدي في غرفة المقبرة، يطفو جدي فوق مئات الأكتاف والأقدام على الطريق المنحدر نحو المقابر، تمتلئ الغرفة عليّ فجأة، أحمل جدي في شرنقة موته البيضاء بين يديّ، يبدو أخفّ من كل الأشياء، أضمه إلى صدري لحظة أطول مما يجب، أضمه إلى صدري بقوةٍ فينغزني أحدهم كي أفلته... يريحه عم شحاتة على سرير الرمل، ويُرخي الأشرطة التي أحكمتُ عقدها منذ ساعات. يعيد عم شحاتة حدقة عين القبر إلى مكانها ويعالجها بالأسمنت الأبيض والرمل. عشرات الأيدي تربّت على كتفي ثم ترحل... يفيض الهواء باردًا، يهز وحدتي الجديدة برفق، وأتلو ما تيسر لي من سورة ياسين كما يطيب لجدتي. كنا نجلس حول جدي منذ شهورٍ طويلة، ظنّ أنه سيموت وصدقناه، غامت عيناه وبردت أطرافه وجلسنا جميعًا نبكي في صمت، ثم دخلت جدتي إلى حجرته تزحف على يديها ورجليها، جلستْ بجوار رأسه على الكنبة الحمراء العتيقة وقرأت فواتيح سورة ياسين بسرعة مدهشة فغرقنا جميعًا في ضحك هستيري وسط بكائنا، ثم استيقظ جدي وعاد من موته المنتظر. راقبته طوال ليلة الأمس منتظرًا أن يستيقظ مثل المرات الماضية لكنه لم يفعل. قرأت سورة ياسين مرات عديدة لكنه لم يستيقظ ليلة الأمس... ولا هذا الصباح.

 

(5)

أهيم اليوم في شوارع الاسكندرية، تراودني ذكرى فسحتي المفترضة مع جدي، حكى جدي فيما حكى أننا صلينا في أبو العباس، أمرُّ بحوار المسجد في الصباح وأعود إليه في آخر النهار، أودّع ضحى ثم أعبر الطريق، يجلس عجوزٌ يشبه جدي كثيرًا قرب السلم.  أصعد عدة درجات ثم أعود إليه. يبتسم ابتسامة مثل ابتسامته ويغمض عينيه مثله، يسقيني كوب ماء مُحلى بالماورد، مثلما كانت عادة جدتي في طفولتي الأولى، تسقيني وحدي من زمزميتها المخصوصة. أردت بشدة أن أقبّل رأسه ولم أفعل. ناولته الكوب الفارغ، وهمستُ لِطَيْفِ الذكرى: «ربنا يخليك يا جدو». صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم قضيت الليلة هائمًا بامتداد الكورنيش.

 

(6)

يزورني جدي في الحلم فجأة. هادئًا ومريضًا. أساعده على صعود السلم أو إيجاد الحمام. أساعده كما اعتدتُ، ثم يختفي. يزورني مرة أخرى، يسير بجواري على درّاجته الحمراء العتيقة، نقطع الطريق من السوق إلى البيت في صمت. ثم يفاجئني جدي في رؤيا غير متوقعة بعد شهور طويلة: يضغط برفقٍ على كتفي ويقول «أنا مبسوط إنك حلو وكويس»، يلقي ببعض التعليمات للعامل في الزريبة، ثم يبتسم ابتسامة جميلة مضيئة، تفوح منه رائحة طيبة كأنما خرج لتوه من حمام دافئ وذقنه حليقة. يطبطب جدو مصطفى على ظهري، ثم أسمع نداء أبي، نلتفت سويًا فيقول «سيب جدك وتعالى لوحدك»، فأخطو تجاه أبي ثم أستيقظ.

 

(7)

جدي الحبيب،

أدرك الآن أنك وجدت الفرج القريب الذي اطلعتَ عليه حين فاضت روحك، ولا أملّ من إرسال الهدايا الصغيرة إليك كلما تيسر لي. يفاجئني الآن أن أستأنس بوجود المقابر في منتصف الطريق بين بيتنا وأي مكان في فارسكور، لم أعد أدور في الطرقات الخلفية كي أتجنب المرور بها. يسعدني ذلك بطريقة غير قابلة للفهم. يغمرني صفاء ما غامض كلما عبرت بخاطري، وكلما عبرت أنا بجوارك. يطمئنني حضورك المستمر. يطمئنني طيب ذكراك. ويطمئنني رضاك عنّا.

لكنني ما زلت تائهًا يا جدي، حين فاضت روح نينة أمينة كنت تائهًا وحبيسًا في طرقات المدينة الكبيرة البعيدة، مدينتي الصغيرة مثقلة بحزن كبير في عينيّ منذ وصلت في تلك الليلة ولم أجدها. محبّتكما ممتدة رغم الغياب، لكنني أكثر هشاشة مما يعتقد الجميع. كانت نينة تبكي حين أحملها وتقول «ربيتك وشيلتك وانت عيل عشان تشيلني لما أعجّز»، وكم آلمني بكاؤها... غيابك يا جدي مكتمل لكن غيابها منقوص. غيابها ضياع. ربما لهذا السبب أكتب عمن ضاعت مني أكثر ممن غاب. أراني ميتًا في رؤياي الأخيرة وأبحث عن جدتي وسط جيراني الموتى تحت الأرض ولا أجدها...  ما زلت تائهًا يا جدي لكنني أكتب أكثر مما مضى، أشد خيوط الحكايات وأعقدها سويًا، أشيد من الكتابة جسرًا خفيفًا وشاطئًا ناعمًا وبحرًا صغيرًا أحمله معي حيثما ذهبت. الليلة قلبي خالٍ ولهذا أكتب. أدفع عني الاكتئاب بأستار الذكرى الطيبة وبريق الأمل المعقود على مغامرة قادمة. سأشد ثوب حكايتي وأعقده في طرف الحكايات المنسية في أركان الأرض. سأهيم كما يشاء لي قلبي والقدر. سأغرس فرع التمرحنة الأخير في جيب معطفك الصوفي الذي تحبه، وسيزهر بين ضلوعي..

 

                                                     طبتَ يا جدي، وطابت روحك. 

 




                      

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الأحد، 20 يوليو 2014

وشوشة الجميزة في ليل ديسمبر



(1)
العاشرة إلا ربع مساءً... أصبحت الحادية عشرة والربع تقريباً... أهذي في كتابتي... صديقتي التائهة بتحكي لي عن اكتئابها الآسر وعثرتها المؤلمة، وكل ده مفيش منه قلق حقيقي، لأني عارف إن وحدتها خلف البحار في مواجهة أزمتها هي مشكلتها الأولى... ومفيش في إيدي غير إني أنصت لها، وأدعي بإخلاص.

(2)

الثانية صباحاً...

بافكر أعرض نفسي للتبني -جزئياً- أثناء إقامتي في القاهرة، خصوصاً إني طفل كبير مُسلي ومُطيع ومُرتب ومابعملش دوشة، وباعرف أطبخ كويس جداً في وقت فراغي، وبشكل عام أي أب وأم يتمنوا كائن حوزوي مكلبظ في بيتهم.

ده غير إن أنا جعان جداً، لسة مخلص فاينال بريزينتيشن لمشروع الترجمة من ساعة، وعايز أبدأ أكتب المقالة اللي هاسلمها لدكتورة الأدب البريطاني بكرة (ومفيش بيني وبين الست دي أي عمار) وأجهز للبريزينتيشن بتاعة بحث كورس الكتابة التحليلية... ليلة طويلة وبعدها يوم أطول... وكرشي الكبير مش هايسيبني في حالي النهاردة....

دكتورة الكتابة الإبداعية طلبت مني أكتب قصيدة حرة باتخيل فيها محمود درويش وهو بيقرأ... وقصيدة "درس من كاما سوطرا" عمالة تلعب في دماغي.... بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف... انتظرها! والجبال تطير في الهواء زي كوكب بندورا، والسما صافية مفيهاش ولا سحابة...

وأنام، فيدخل أبطال المسرحية اللي باترجمها، وينوروا النور ويدبدوا برجليهم على خشبة المسرح، ويزرعوا شجرة كبيرة في وسط دماغي الصغيرة... والشجرة تكبر بسرعة مدهشة وفروعها تخترق السقف وورقها المنمنم بينور الأركان المعتمة اللي فوق...

ولسبب غامض باحلم بالتلج، وإن الشجرة الصغيرة البشعة اللي تحت بلكونة أوضتي في فارسكور بقت شجرة جميز كبيرة أطول من البيت نفسه... وإن الأرض مرصوفة اسفنج والناس كلها بتتنطط في الشارع...

وأصحى من الحلم جوة الحلم، الشجرة بتغير جلدها، وعطر خشبي محير مالي الجو، عطر مدهش ريحته شبه اللمون والقرفة والمستكة والعيش السخن والكمون المحمص.... وزحليقة كبيرة مصنوعة من لحاء الشجرة بتوصل بلكونتي بالشارع... وابن عمي الصغير بيغني في البلكونة وبيطير لبيت الجيران....

وشهرزاد كورساكوف طالعة زي الحلم من قلب الشجرة، وأنا سكران م البرد ومن العطر اللي مسيطر ع الجو...
احساس مُريح، راحة آسرة شبه الطمأنينة في حضن بابا وشبه وقوف الزمن والدوبان في حضن ماما...

وعشان أحضانهم أكمل من الأحلام وأجمل منها، الإحساس ده ما بيكملش.. وأرجع أفوق، أحسس على السرير أدور على النظارة، أعد من واحد لخمسين في خيالي، وأحبس نفَسِـي ست سبع ثواني.... كده اتأكدت إني صاحي، وإني لازم أقوم. وأقوم. أرتب السرير، وبرد البلاط يلسعني. في الحقيقة ده مجرد وهم...

(3)
أقعد قدام اللابتوب، لسبب ما شبح هارد هاتفيلد مسيطر على صوابعي، مجرد ما أمدها على لوحة المفاتيح أفتكره في دور دوريان جراي، نظرته الحالمة ونص الابتسامة البريئة المرسومة على وشه، وأد إيه أنا مفتون بعزفه على البيانو... ولسبب أكتر غموضاً، نظرة عينيه المحيرة بتفكرني بنظرة حسين في الباب المفتوح... عشرين سنة فرق، وشخصيتين مختلفتين تماماً، وأشباح كتيرة ودلالات متباينة وأجندات سياسية وأحلام وأوهام وبلاوي متلتلة على دماغي، كلها بتتقابل في دماغي، وبتعمل دوشة في أكتر وقت انا محتاج فيه تركيز... وبلاوي أكتر جاية في السكة لو مبدأتش أكتب اللي الدكتورة عايزة تقراه بكرة الصبح...

(4)
وأسمع مزيكا شبه الحلم قبل ما أنام... وأسرح: