‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 مارس 2019

أرحب سماء في عيونهما








»علمتني أمي كيف أكتب. وضعت رشة ملح في يدي وقالت ’’حفنة من الجواهر البيضاء الصغيرة، أنصتْ إليها ستحكي لك عن بحر وبحيرات وشعوب وجفاف وشمس‘‘. وعلمني أبي كيف أحكي. حطّم القيد حول معصميّ وجلس يراقبني في البحر كيف أخطو بين الملح والرمل. دفعني من ظهري وقال فلتكن الحكاية صادقة. علمني أبي التساؤل. علمتني أمي اللين. علمني أبي الصبر. علمتني أمي السكن. نسج أبي وأمي بيتًا دافئًا ووضعاه خلسة في حقيبة سفري. تغني أمي لحنًا خفيفًا في الصباح الباكر وتصدر تروس دراجة أبي الخفيفة أزيزًا أليفًا بينما ننحدر سويًا عبر طرقات مدينتنا الصغيرة في منتصف الليالي الصيفية عائدين إلى البيت. أبي وأمي غرسا الحب في صدري ألف مرة. علّماني كيف أحب نفسي أولًا. وعلّماني كيف أحب الآخرين أولًا. أمي وأبي شيّدا فنارة وديعة راسخة وسط الضباب. نقشا إسمي على مفاتيح المدينة. علّماني كيف أحب اسمي. أمي وأبي علّماني الرحمة. علّماني كيف أرعى هذا القلب الصغير والكلمات بالصبر واللين والمحبة. أبي وأمي يقولان كن كما تريد. كن طيبًا. كن سعيدًا. كن في رضا. يوقدان الشموع. يرممان قلبي كلما ضربه الحزن. يشيرانِ إلى النجوم البعيدة. يشيران إلى طريق البيت. يرتدي البيت صورة أمي ويرتدي صورة أبي ويقول لا تنسني. اكتبني تجدِ الطريق. أمي الطريق. وأبي الطريق. أبي وأمي الطريق. وهما الطريقة. وهما العش. والحَب. والحُب. والفرص الثانية. وهما الطفولة. ألف نافذة تطل على الكون. وألف وسادة مطرزة بالأقحوان والفل. ألف قُبلة على الجبين. وألف عينٍ باسمة. ودامعة. وألف ابتسامة حانية تسع الكون وتبّطن كل طرقاته بالخضرة اللامعة. هما الأزرق الدافئ. وهما السكين والقلم ولوحة الرسم ومُرُوج الأحلام. هما الذاكرة والمرآة والقنديل وجرعة الدواء. يقولان اكتب. كن بخير. انسج الحكايات. كن أمينًا. اخطُ بلا تردد. ارتد الدرع كاملة. افتح صدرك للنور. أبي وأمي يغرسان البِر في صدري ألف مرة. ذاكرتي ترسم غيومًا لبنية على جدران الدرج الصاعد أمام بابنا. نصعد درجاته سويًا نحو شجرتنا التي تسكن سماءً أخرى. نحملُ الحَب لعصافير. يناولنا أبي الفاكهة والحكايات –أنا واخوتي- ويقول تعلموا البِر. يهدر أبي كالرعد. تبكي أمي في هدوء الضباب. ثم يسكنان بخفة كصباح مشرق في آخر الشتاء. أكتبُ: هدى. أكتبُ: عادل. أكثر الأسماء ألفة. أكبر الأرواح رحابة. هما الريح تحملني عكس اتجاه النهر. هدهدة تجذب النوم الخائف في ليالي الأرق. وهما العيد والفراشة المضيئة في ليل الحديقة. والعبارة الغامضة التي تهمس في الخيال بكل احتمالات الكتابة. تعلمني أمي كيف أحب أبي. ويعلمني أبي كيف أحب أمي. ومعًا -أمي وأبي- يعلّماني كيف أكتب نفسي وكيف أكون«.

                                                                                                          21 مارس 2017

الخميس، 25 يونيو 2015

ملح الكتابة ونورها





اكتشفتني الوحدةُ جالسًا منفردًا أتأمل شجرة البومباكس العظيمة وسط حرم جامعة المنصورة فوُلِدتُ مرة أخرى. تلك الشجرة التي نبتت من حلم ما ثم جلست مرتاحة توزع أثواباً من روحها على العابرين في مجالها. بحثتُ عن أستاذ يعلمني الرسم في الصباح التالي، رسمت عشرات الأشجار والمروج في مرسمه الصغير ولم يكن من بين أيٍ منها شجرة بومباكس واحدة. رسمت عشرات الأشجار والمروج ثم انهار السقف عليها وانهارت الجدران والطوابق الستة العتيقة فوق المرسم والأشجار ومحاولاتي جميعًا، ولم ألمس ريشة واحدة ولا أنبوب لونٍ منذ ذلك اليوم، لكنني كتبت. كتبت عن العالم الأخضر الرقيق الشفيف الذي يوازي عالمي، عن أسماء الأشجار التي لا أعرفها والزهور الصغيرة التي تتفتح في شق جدار غرفتي حيث تنفذ الشمس. مدينة الأمل للطلبة؛ حيث كنت أسكن، تبدو كمزحة ثقيلة، لا فسحة للأمل فيها حتى اكتشفت نفسي في الكتابة.

 لا راحة في العودة إلى مدينة الأمل الغائب، ولذا تتوه خطواتي وتدور في المسافة بين قاعة الدرس ومدينة الطلبة في نهاية الأيام. تعثرت في جسد طائر أخضر ملقى على الأرض ذات يوم في أول الربيع. كان الطائر زهرة سقطت من عشها على جناح الشجرة الهائلة الممتدة في الفضاء. تهز رياح الخماسين فروعها فتسقط الأزهار الحمراء الضخمة، يذوي لونها الأحمر سريعاً وتتحول لطيورٍ خضراء ميتة. رفعت رأسي نحو الشجرة فملأتْ قلبي برهبة غامضة. لم تكن الطيور الخضراء الميتة ميتة، كانت تهمس برغبتها السرية في الامتداد لحيوات أخرى، وكانت شجرتها تتنفس ببطء، ينمو حولها سياج من أجساد الطيور شبه الساكنة، يزحف السياج نحوي ويأسرني أنا أيضًا ببطء. ملاتني الشجرة بسطوتها وهمسها. ابتلعتني الشجرة ولمست قلبي. رأيت الموت يلمس قلوب زهورها الطيور، وتذكرت صوته. لفظتني الشجرة على جانب الطريق فركضت إلى غرفتي وفتحت دفتري الأخضر. همست لي الشجرة أن أكتب، فاستندت عليها وملت نحو الكتابة.

 خفقت الطيور الميتة أجنحتها فسقط جدي من عالم الحزن إلى عالم الدفتر. أراح رأسه بين سطرين وابتسم. ارتشفتُ من الكتابة ما شاءتْ لي حتى تصالحت مع فقدانه. كتابة جدي كانت امتداد حياته بين يدي؛ كتبته ببساطة كما كان ورأيت الموت لأول مرة وديعاً آسرًا ومسلوب الإرادة. خفقت الطيور الخضراء أجنحتها فرأيت نهراً يفيض ويغمر غرفتي، قلب التيار أدراج مكتبي وبعثر محتوياتها؛ رأيت احلاماً صغيرة مكتوبة على أقاصيص أوراق طفولتي، ورأيت دربي لا يمر بجامعة المنصورة حيث كنت، ورأيت أبي يبكي حين وجد جدي مرتاحاً بين سطوري؛ ورأيت نفسي تائهًا مندفعًا... جف الماء وبقيت أقاصيص الأحلام الصغيرة سابحة في فضائي، كنت أميل نحو الكتابة وأسقط معها في قلب الحياة ولم أكن أرى ما أراه الآن.

متى لمست الكتابة أول مرة؟ كنت أستند على زجاج الشباك في شقتنا الصغيرة وكنت صغيرًا وكان صيف المدينة حارًا. ركضت نحو أمي أحكي لها كيف طلب مني مدرس الفصل أن أكتب عن الملح، وكم تبدو الكتابة محيرة، ماذا في الملح، أكثر من كونه ملحًا، لاكتب عنه؟ فردت أمي أجنحتها البيضاء الفسيحة وضمتني إليها، حكت لي أن غاندي علّم الهنود كيف يستخرجون الملح لأنفسهم من البحر، قالت ما يشبه أن الملح قوة، وقالت أن الملح أبيض مثل الثلج، ثم قالت أن الملح أيضاً شفاف كألماسات صغيرة، وضعت في يدي الصغيرة حفنة ملح وقالت أن الملح مسحور، وسألتني كيف ذهب الملح إلى البحر؟ قدمت موضوع التعبير لأستاذي في الاسبوع التالي وكتبت ما شاءت لي الكتابة أن أكتب عن بلورات الملح خفية السحر طيبة الأثر. ثم كبرت ووجدت لسان العرب يقول أن الملح هو ما يطيب الطعام به، لكني لم أجد من يشرح لي كيف تطيب بالكتابة أيامي، أو كيف تلتهب جراحي بملحها: كبرت ولم أجد ما يعرّف الكتابة أو يحكي كيف تغرسني في قلب الألم ثم تجردني من كل الشعور.

بين حياتين وجدت نفسي حين سبحت خارج غرفة الحلم، قادني فيض النهر إلى مدينة شريرة ثم لفظني على  شاطئها اللامع. كانت الأرض زلقة وأحلامي الصغيرة زغبها مبلول وقلوبها مفزوعة، لا يدري أيٌ منا –أنا أو الأحلام أو البيت على ظهري-  إلى أين يقودنا الدرب الجديد. كانت الخطوة حلماً وكان الحرف، ومعاً تعلمنا المشي على أرض المدينة الشريرة وتعلمنا الكتابة.


«طفلي الصغير، من رحمك المسحور تولد أول الحروف وآخر الساحرات،
عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته،
 
وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة وما بعدها؛ ربما حضنٌ طال انتظاره.
قِف الآن وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح...
هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها،
ونفَسٌ طويلٌ،
ثم نفَسٌ أطول»

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الجمعة، 3 أكتوبر 2014

مناجاة لروح طفلة سبعينية





إزيك يا نينة؟ أكيد إنتي عارفة وحشتيني أد إيه. فاكرة آخر ساعة قضيناها مع بعض؟ أكيد فاكرة. أنا لسة فاكر الصورة اللي ما اتصورنهاش مع بعض زي ما اتفقنا، دي الذكرى الوحيدة اللي بتوجعني يا نينة، لكن هاتفضل جميلة رغم الوجع، جميلة عشان تفضل صورتك في قلبي حية بتنبض، بتنور لي عتمتي في كل حين وبتفكرني إن الحياة استثناء كبير زي ما علمتيني. أنا بقيت ضعيف وغريب عن نفسي قوي من بعدك يا نينة. باتخيل دلوقتي إيدك بتلمس خدي وعينكي بتلمع بكل الحنان اللي في الدنيا وبتقولي لي ماتخافشي، وتقرئي لي مطلع سورة ياسين، وتبتسمي لي في طمأنينة.

أنا عايز أكتب عنك كتير يا نينة. وخايف على طيفك اللي في قلبي يتجمد لو صبيته جوه الكلام، زي الطينة لما تتحرق في فرن الخزف. إنتي عارفة أنا باحبك أد إيه يا نينة، ونفسي العالم كله يلمس محبتك ولو بالكلام، لكن محبتك غالية، وأيوة أنا طماع، هاحتفظ بمحبتك في قلبي عجينة طرية، والغاليين بس هما اللي يلمسوها ويلمسوه.

صحيح نسيت أقولك كل سنة وانت طيبة يا نينة قبل كل الكلام اللي فات، النهاردة بقى عندك تلات سنين ويوم. تلات سنين ويوم في الجنة بإذن الله، يا رب روحك تفضل طفلة جميلة للأبد. ويا رب تكون هدايايا المتواضعة بتوصلك سليمة خالصة لوجه الله. أنا عارف إني مقصر في حقك إنتي وجدو كتير. سلمي لي عليه وبوسيهولي من راسه. أكيد إنتي حاسة أنا بقيت ضعيف أد إيه وهمتي تايهة مني، بافتكر أد إيه طبعك كان حامي وهمتك عالية واتكسف من نفسي، وأقوم أتحرك شوية. ادعي لي ألاقي المثابرة والعزيمة اللي بادور عليهم. عارفة يعني إيه مثابرة بالانجليزي؟ "بيرسفيرنس" لسة متعلمها الشهر اللي فات. معرفش ليه الكلمة دي ليها وقع مختلف على وداني. ادعيلي ألاقيهم وأحافظ عليهم يا نينة.

أنا باعد الأيام، عمري ما نسيت يوم. وده رابع رمضان من غيرك، ومن غيرك رمضان ملهوش طعم، ولا خطوتي ع السلم بعد الفجر من غير ما اطلع لحد شقتك ليها طعم، حتى التين اللي بتحبيه طعمه اختلف من بعدك، كل تينة أكلتها بعدك باقسمها نصين وأحلم بمرة واحدة أخيرة أأكلك فيها بإيدي. ده أول رمضان من غير عمة عزيزة. يا ترى هانتجمع إزاي على الفطار من غيركم النهاردة؟ أنا باحب عماتي كلهم، لكن هاتفضل لمتنا ناقصة كتير قوي من غير روحكم الصافية ومحبتكم الفياضة... «يا حبيبي» اللي بتنطقيها بمنتهى المودة والطمأنينة اللي في الدنيا، و«يا حبيبي» اللي عمتي بتنطقها باللهفة العجيبة اللي في صوتها، محدش في الدنيا هايعوضهم تاني يا نينة.


بقالي أسبوعين بافكر في أجمل هدية أجيبها معايا النهاردة، سامحيني ملحقتش أتم حفظ سورة ياسين زي ما وعدتك، لكني هاوفي بوعدي وأصلي لك بيها ركعة في كل ليلة من العشرة الأواخر بإذن الله. وسامحيني ملقيتش شجر تمر حنة في البلد، دورت عليها، لفيت شوارع فارسكور كلها بالعجلة أدور على نسمة شايله عبير التمر حنة؛ مفيش. عجيبة إن عمري ما فكرت أسأل جدو الله يرحمه بيجيب لك غصون التمر حنة منين. أوعدك لما يبقى عندي بيت هازرعلك فيه شجرة تمر حنة، واجيبلك معايا أحلى غصن منها كل مرة.

بيقولوا إن المحبة قوية كالموت... معرفش مين اللي قال، أنا فاكر إني قرأتها مكتوبة بجير أبيض على قالب طوب لبن وسط حيطة قديمة في مكانٍ ما معدتش قادر أوصلّه في ذاكرتي. إمبارح الفجر وأنا ماشي جنبك افتكرت الجملة دي وافتكرت محبتك. محبتك مش بس قوية زي الموت، محبتك غلبت الموت وبتغلبه كل يوم. محبتك خالدة في قلوب كل الناس اللي لمستي حياتهم. محبتك خالدة بدعواتك الطيبة المدهشة. أكيد إنت عارفة أن باتكلم عن إيه، عن «ربنا يحببك في الناس ويحبب الناس فيك.» عشان بعد ما روحتي عند ربنا فضلت أسمع صوتك بيدعي لي بيها، ولقيتني باقول لنفسي نينة تستحق إن دعوتها تتحقق، على الأقل أنفِّذ منها اللي في إيدي وأحب الناس اللي تقابلني. وبقوة محبتك يا نينة فضلت ماشي في الدنيا، وبنور محبتك بالاقي طريقي لربنا كل ما أتوه. وبدفئ محبتك باقاوم البرد اللي بيضرب عظامي وأشد روحي وعودي وأتجاوز خيبات الأمل. ولاجل محبتك الغالية باكمل بعد ما اقع. ولاجل محبتك باحارب التخاذل اللي بيشدني للأرض. لاجل محبتك باتعلم وباوهبلك ثواب كل حاجة باعلمها لحد جديد. فاكرة يا نينة لما مسكت إيدك بالقلم زي الاطفال وكتبنا اسمك مع بعض أول مرة؟ «أمينة محمد شعلان.» كتبنا أ مــ ــيــ ــنــ ــة بحروف كبيرة هشة ورقيقة. وضحكنا كتير يومها وسهرتي تكتبي اسمك مرة ورا مرة... وأد إيه كنتي مبسوطة وإنتي بتمضي على الورق بدل ما تبصمي، يمكن دي أكتر لحظة أنا فخور بيها في حياتي. فخور بـ جدتي، وأمي، وبنتي الصغيرة وصاحبتي وحبيبتي الأولى.

كل سنة وانت أطيب نينة في الجنة.

17 يوليو 2014.
تلات سنين فاتوا.


                              

السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الأحد، 20 يوليو 2014

وشوشة الجميزة في ليل ديسمبر



(1)
العاشرة إلا ربع مساءً... أصبحت الحادية عشرة والربع تقريباً... أهذي في كتابتي... صديقتي التائهة بتحكي لي عن اكتئابها الآسر وعثرتها المؤلمة، وكل ده مفيش منه قلق حقيقي، لأني عارف إن وحدتها خلف البحار في مواجهة أزمتها هي مشكلتها الأولى... ومفيش في إيدي غير إني أنصت لها، وأدعي بإخلاص.

(2)

الثانية صباحاً...

بافكر أعرض نفسي للتبني -جزئياً- أثناء إقامتي في القاهرة، خصوصاً إني طفل كبير مُسلي ومُطيع ومُرتب ومابعملش دوشة، وباعرف أطبخ كويس جداً في وقت فراغي، وبشكل عام أي أب وأم يتمنوا كائن حوزوي مكلبظ في بيتهم.

ده غير إن أنا جعان جداً، لسة مخلص فاينال بريزينتيشن لمشروع الترجمة من ساعة، وعايز أبدأ أكتب المقالة اللي هاسلمها لدكتورة الأدب البريطاني بكرة (ومفيش بيني وبين الست دي أي عمار) وأجهز للبريزينتيشن بتاعة بحث كورس الكتابة التحليلية... ليلة طويلة وبعدها يوم أطول... وكرشي الكبير مش هايسيبني في حالي النهاردة....

دكتورة الكتابة الإبداعية طلبت مني أكتب قصيدة حرة باتخيل فيها محمود درويش وهو بيقرأ... وقصيدة "درس من كاما سوطرا" عمالة تلعب في دماغي.... بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف... انتظرها! والجبال تطير في الهواء زي كوكب بندورا، والسما صافية مفيهاش ولا سحابة...

وأنام، فيدخل أبطال المسرحية اللي باترجمها، وينوروا النور ويدبدوا برجليهم على خشبة المسرح، ويزرعوا شجرة كبيرة في وسط دماغي الصغيرة... والشجرة تكبر بسرعة مدهشة وفروعها تخترق السقف وورقها المنمنم بينور الأركان المعتمة اللي فوق...

ولسبب غامض باحلم بالتلج، وإن الشجرة الصغيرة البشعة اللي تحت بلكونة أوضتي في فارسكور بقت شجرة جميز كبيرة أطول من البيت نفسه... وإن الأرض مرصوفة اسفنج والناس كلها بتتنطط في الشارع...

وأصحى من الحلم جوة الحلم، الشجرة بتغير جلدها، وعطر خشبي محير مالي الجو، عطر مدهش ريحته شبه اللمون والقرفة والمستكة والعيش السخن والكمون المحمص.... وزحليقة كبيرة مصنوعة من لحاء الشجرة بتوصل بلكونتي بالشارع... وابن عمي الصغير بيغني في البلكونة وبيطير لبيت الجيران....

وشهرزاد كورساكوف طالعة زي الحلم من قلب الشجرة، وأنا سكران م البرد ومن العطر اللي مسيطر ع الجو...
احساس مُريح، راحة آسرة شبه الطمأنينة في حضن بابا وشبه وقوف الزمن والدوبان في حضن ماما...

وعشان أحضانهم أكمل من الأحلام وأجمل منها، الإحساس ده ما بيكملش.. وأرجع أفوق، أحسس على السرير أدور على النظارة، أعد من واحد لخمسين في خيالي، وأحبس نفَسِـي ست سبع ثواني.... كده اتأكدت إني صاحي، وإني لازم أقوم. وأقوم. أرتب السرير، وبرد البلاط يلسعني. في الحقيقة ده مجرد وهم...

(3)
أقعد قدام اللابتوب، لسبب ما شبح هارد هاتفيلد مسيطر على صوابعي، مجرد ما أمدها على لوحة المفاتيح أفتكره في دور دوريان جراي، نظرته الحالمة ونص الابتسامة البريئة المرسومة على وشه، وأد إيه أنا مفتون بعزفه على البيانو... ولسبب أكتر غموضاً، نظرة عينيه المحيرة بتفكرني بنظرة حسين في الباب المفتوح... عشرين سنة فرق، وشخصيتين مختلفتين تماماً، وأشباح كتيرة ودلالات متباينة وأجندات سياسية وأحلام وأوهام وبلاوي متلتلة على دماغي، كلها بتتقابل في دماغي، وبتعمل دوشة في أكتر وقت انا محتاج فيه تركيز... وبلاوي أكتر جاية في السكة لو مبدأتش أكتب اللي الدكتورة عايزة تقراه بكرة الصبح...

(4)
وأسمع مزيكا شبه الحلم قبل ما أنام... وأسرح:



الاثنين، 14 يوليو 2014

هاتعمل إيه يا ولد












وهاتعمل إيه يا ولد
في قلبك المقبوض
وقطعة الكهربا
والناموس اللي بيلسع من فوق الغطا
والعتمة
والوجع

ليل الصيف المخطوف
وحر الليل غلب حر النهار
وتقاسيم ع الكمنجة مكتومة في صدرك
والعتمة أتقل م النور في قلبك
والدوشة في الشارع رغم العتمة طالعة
ونسمة طراوة على استحياء
وحيرة
ونفحة منتظرة من الفجرية
وغجرية مسحورة بتستناها
والنوتة سلالمها مكسورة

والحيرة
والعتمة
والوجع
وريشة المروحة الساكتة
وصوابعك المشلولة عن الكتابة
وأفكارك الشاردة
والصبر
وأستاذك الطيب
وواو العطف
بتلضم تفاصيل المسا
في عُقد في خيالك
نقطة من وجع روحك
متدوبة في بحر أبيض
من الياسمين

دم المحابر
محبوس تحت طبقات الأسى
متحاصر بالمخاوف
مخلوط بالدموع
ودخان الشموع
وأحلام الورق
وقلبك المقبوض
ينتفض
ينصعق بالحزن
ينتفض
يدوق طعم الهلع
ينتفض
كل شيء في بحر الياسمين أبيض
قلبك المقبوض
يسكن
يدوق النور
ينتبه على لسعة ناموسة
يكتشف سكون آخر ساعات الليل
ويتوه في حيرته
ويكتب كلام
مفكفك زي حلمه


وهو صغير كان بيحلم بالسما
نجومها قريبة
مش ناقصه غير إنه بس شوية يكبر
ويلمسها
ويعرف طعمها
لكنها
طلعت أكبر.


السبت، 14 يونيو 2014

قليل من السحر


قليل من السحر
يضبطُ إيقاع الحياة
على اهتزازات أوراق الشجر
يرفع الرحلة على عرش التجربة
يسكب الفرحة في كؤوس البدايات
وينفض الهم عن أكتاف النهاية المُرهَقة

قليل من السحر يكفي
ليغرسَ في الدربِ برعم نور
يزهر في وجه الاحتمالات
ويكسر اندفاع سيل الغموض
وسط سهول الغدِ

قليل من السحر يكفي
ليغرس حبة خضراء في القلب
تزهر في الأشهر الذابلة
تحنو حين يغيب الأحبة
تحكي حين يهرب الليل منا
حكاياتٍ عن الندى والمدى والمطر
تشير إلى الشمس حين يغيب النهار
وتثمر عصافير بيضاء وسحباً رمادية صغيرة

قليل من السحر يكفي
لترقص أوراق الشجر المنفوضة
على وقع خطواتنا الصاخبة
لتهرب زهرات من انقضاء مواسمها
ولينفض طير أجنحته من بين براعم العشب العشوائي
حول شجرة تين
يكفي ليطفو محصول قمحٍ لأعلى
في رحلة أبدية
نحو نور بعيد

قليلٌ من السحر
يكفي
للمس تجاعيد وجه الحياة
يكفي
لنحترف السير
على خيوط الروح الممتدة بين القلوب
يكفي
لنبني في عتمة الليل مدينة
من بيوت الشعر
يكفي
لحياكة نهر حكايا جديدة
يجري بين بيوت مدينتنا
يدور حول جبال الأمنيات
ويصعد نحو سماء بعيدة
يخلط الغيم بالطمي
ويغرس فيه
قلوباً خضراء
وقناديل مضيئة




الخميس، 24 أبريل 2014

من أخبار ما شهدته شجرة المانجا في الصيف الماضي

               



كان النسيم عليلاً، رغم الساعة الثانية ظهراً وموجة الحر المبكرة، وكان غناء العصافير شهياً واستدارات ثمار المانجا الخضراء الصغيرة مغرية بالأمل في الحياة... وكنت أجلس هناك تحت شجرة المانجا، مواجهاً أميرتي البيضاء... أحاول بجهد كبير أن أستجمع شتات أفكاري وشجاعتي وجرأتي... أحاول تعطيل كل منبهات الأخطار بداخلي، أتجاهل صوت العقل، أعزف كل الموسيقى الملحمية في ذهني، ثم أعزف كل مقطوعة مسالمة في اللحظة التي تليها، يدور الكلام منغماً في ذهني لكنه لا يخرج أبداً للنور.. وأعرف أنني أمضي إلى ما لست أعرف...


أجلس بجوارها، أدرك أن على وجهي ابتسامة غريبة، تتراوح بين الخجل ونشوة السعادة... صامتاً، أحاول أن أنطق ولا أستطيع.. أحرك شفتي بغير صوت، أنظر في عينيها أتأملها، أحاول أن أتأكد للمرة الألف ألف أنني لن أُميلَ قلبي إلى فراغ... أبتسم وألعب الموسيقى في عقلي، أصوات جوقة من الاطفال تهدهد روحي.... قلبي مرتبك، أعصاب ساقي اليسرى تتحرك بغير إرادتي، يدي ترتعش خفية... ترتسم الحروف مرة أخرى ولا تبين لها...


وكانت أميرتي جميلة، ربما أكثر جمالاً من كل مرة مضت.... وكنت أعلم أنها تتوقغ اعترافاً من نوع ما، كنت أعرف أنها تحدثت إلى صديقنا المشترك بشأن ذلك المجهول الذي دعاها إلى الغداء، لكن لم أعلم أنها تستبعد أن يميل إليها لأنه (أكثر روعة؟) مما تستحق هي! – بينما هي لا تعلم أنني أراها الأكثر روعة، والأطيب روحاً والأنقى.. الأنقى مما أنا عليه... 


ثم أُخبرها.... أُخبرها ان "حكايتنا" تحتاج مدداً عظيماً من الشجاعة لتُروى... أُخبرها أن الحبَّ يقشِرُني كالبرتقالة؛ يفتحُ في الليل صدري، ويتركُ فيهِ: نبيذاً وقمحاً وقنديلَ زيتْ. أُخبرها أن قلبي تعب من التقلُّبِ: يبحث عن قلبٍ يؤمن به يستند إليه... وأن غاية سعادته في سُكناهما، لكنه يخشى أن يميل إلى فراغٍ مرةً أخرى فينكسر... وأُخبرها أنها إذا ما أمالت قلبها قليلاً نحو قلبي لربما سكن القلبان وأنبتا برعماً جديداً يُزهِرُ بصفاء الحياة... ولا أُخبرها أنَّ حنيني يكوي أضلُعي، لا أُخبرها كم أشتاق... أتلعثم حينَ أنظرُ إلى عينيها مرة أخرى.. وتغمرني روحُ طفولةٍ آسرة... لا أقولُ من ذلك كله حرفاً واحداً... أبني كلماتي وأهدِمُها مرة تلو الأخرى.. ولا أدري ما الذي تخشاه.. أتساءل أين المعنى وأين الحقيقة.. أميرتي البيضاء المشرقة: أين السبيل إلى عينيكِ؟... تماسكي قليلاً ولا تكُوني عصفورةً هاربة!



الأحد، 20 أكتوبر 2013

إلى قمرية...

إلى قمرية...



"أيتها الغمامة القمرية:
عابرةٌ في فضاء الروح أنتِ..

يتقاطر منك النور على دربي
وتطاردك أسراب فراشات القلبِ

لا تشعلي صدري بشرارات عينيكِ، 
فأجنحة قلبي الصغير تحترق بسهولة..
وعينيك اللوزيتين لا تكفان عن إشعال الحرائق الصغيرة في أجنحة الفراشات التي تطاردها.


لا تسرعي،
فقلبي لا يرتوي إلا من قطرات نورك؛
يداوي بها جراحات فراشاته
يشيد قصراً من بلور
يزرع في ساحاته قرنفلة وياسمينة وتينة
يغرس روحه تحت جذور التينة
ويشرع أجنحته
يخفقها مرة أولى فيثير زوبعة من الفراشات الصغيرة
يخفقها ثانية محلقاً نحو النور
ليتابع احتراقه في ظل روحك
ويحصد موته المشتهى
في حضن عينيكِ"