‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحلات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 فبراير 2015

فراشتي




عزيزتي
خلف البحار البعيدة--
أمام المرآة التي لا تخبرك الحقيقة كاملةً؛
تلك التي تنظر إليك عبر الجهة الأخرى
معجزةٌ على وشك الوصول،
آيةٌ أؤمن بها.
روحها الآسرة مخبئة بين ظلال قشرتها الرمادية
بين تجاعيد الأوراق الخضراء الندية
وشقوق الأغصان الشائكة التي تزحف عبرها في الصباح
وبين الأجنحة الطرية الملتفة حولها تحت ذلك الجلد..
منتظرة صعودها/ صعودك الهادئ نحو شمس قريبة.

عزيزتي
ساعة مكتبي تشير إلى الآن
وساعتك البعيدة ما زالت تُشير إلى أمسي
لكنك معجزتي الباهرة
وإلى روحك تصبو روحي الصغيرة.
يجتاحني شعور غامضٌ حين أكتب إليك
يشبه الانتماء إليك وحدك.
وحدكِ
أنتِ المدينة في قلبي،
وأنتِ رائحة الفجر حول بيت طفولتي،
ولون أحلامي المأسورة لديك يُشبه العسل في كوب حليب طازجِ/
أنتِ السكن المُشتهى،
حلمكِ دفئ
هو هرولة الوحشة نحو باب الرحيل
واندفاع فيض الحياة في أوديتي المهجورة.

عزيزتي
دودةَ القز التي تحدق في المرآة خلف بحارها البعيدة
تقولين
«كيف أحبكَ ولا أجد نفسي حين أنظرُ إليّ؟»
أرى انعكاس وجهك على زجاج ساعة مكتبي
فراشة ً
مدهشة ً
بديعة ً
وبعيدة، 
أمام مرآة لا تقول الحقيقة

عزيزتي خلف البحار،
أكتب إليكِ عينيَّ
انظري فيهما ترين ما أرى
أكتبُ إليكِ أناملي
تنزف شوقاً
أكتبُ إليك الكتابة
تطاردني، ولستُ أهلاً لها
حروفها تتهجاكِ
«فـ ـرا شـ ـتـ ـي أ نـ ـتِ»


  أكتوبر 2014       

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


السبت، 27 سبتمبر 2014

Almost 23, Almost Alive



I'll be 23 in one month and 23 days, and it just doesn't feel right. It feels like sadness, loneliness and panic. I'll be 23 and I am lost in self-doubt, in demotivation and in the persistent desire to quit everything and run. A desire to pursue my culinary interests, a silent urge to run endlessly in a remote desert at sunset, to run until my soul is a little lighter, to learn swimming properly, to recite poetry in a new softer language, to fully feel Italian operas, to explore a tiny tropical island, to build a new story of fragile sea shells, blue sands, green leafs, my own blood and warm breath, of sweat and grey hairs and memories, all glued together with words; my soul ... I'll be 23 and all I want at the moment is not to live another day with that ghostly loneliness echoing against the scratched walls of my big heart. To end the silly hide and seek game that my dreams are forcefully playing with me, to achieve the joy of writing THE END at the bottom of a new book, my book, to silence all the voices inside me.

Last night a friend of mine told me to stop being so selfless in love, because every time I fell in love, I fell hard. In my new year I’ll promise myself not to fall in love again, a broken promise. Last night I wrote to her that she is my butterfly; I unconditionally admire the hidden beauty beneath her caterpillar skin, that my soul relates to hers, and it feels like belonging to her, where I was finally found … and the pile of the sad dusty letters is growing taller on the nightstand because she never gave me her address. I believe she is as lost as I am, but what are the odds of two lost young people spending their life together? Thousands of miles keep us apart, figuratively and physically, a caterpillar and sycamore seed, full of the desire to taste the sun glow, full of fear and disappointments.

“Am I right for such a relationship?
Do I deserve the glory of being a sycamore tree?”  

Five years ago I wanted to be a kid once more. Today I want to have my own kid. I can’t call it fatherhood because it's not; it’s just a weird surprisingly unexpected feeling invading my heart and fingertips. Why a 23-year young man would desire a son or a daughter? Shouldn’t I be desiring something different at this stage of my life; catching the soul of my second language, practicing saxophone, learning Russian, saving money for a trip in the Alps, working out to be in shape… anything but a son.

O’ Allah,
My life is full of your amazing grace,
And I am lost.
I know you're listening...
Grant me perseverance,
Calmness,
And love;
Your love.

السبت، 6 سبتمبر 2014

حتى الثمالة أكتُب، حتى الثمالة....



«...
أسمع أمي الجميلة النقية تغني:

«ممكن نوصل أبعد نجمة
ممكن نكتب أصعب كلمة
لو نتعلم..
إزاي ناخد..
أول خطوة..»
وأعاهد نفسي أن أخطو خطوتي الأولى... الآن!

أقرأ ما نقله نيبو عن فرانسواز ساجان «عليّ أن أبدأ الكتابة لكي تأتيني الأفكار» وأقول لنفسي لما لم تبدأ حتى الآن... لما تخشى البدايات بكل هذا القدر... لما تتراجع، لما تتقهقر... أعرفُ أنك تخشى غموض ما قد يأتي... أعرف أنك تهاب المغامرة التي عليك ان تواجهها قريباً... التي ستفقد مفاتيحك إليها إن لم تجمع شتات نفسك وتنجز ما عليك أن تنجزه.

عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته، وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة... ربما حضنٌ طال انتظاره. وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح... هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها...

الآن تكتب حتى تصل إلى بئر راحتك المؤقتة..
الآن تكتب حتى تصل إلى بقعة عشبٍ وثيرة مطمئنة..
الآن تكتب وحسب،
لا تشغل نفسك بلون النهايات،
لا تشغل نفسك بمثالية خطوتك المطبوعة بين السطور..



الآن تكتب.
تكتبُ... تكتبُ.. تكتبُ

تكتبُ حتى الثمالة..»


السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الجمعة، 30 أغسطس 2013

حجر البهجة، وفي رواية أخرى: الزلطة الضاحكة!


أولاً: طقوس القراءة: 


أغمض عينيك الآن، ابحث عن الطريق إلى البحر الهادئ بداخلك... حين تصل إلى الشاطئ افتح عينيك، اسمع هذه الموسيقى، أنصت إليها جيداً وتخيلها مختلطة بصوت الموج في الخلفية ثم ابدأ القراءة: 



من أين تبدأ الحكاية؟

تبدأ الحكاية من الصفحة السعيدة التي تبحث عن التفاصيل الصغيرة التي تختبئ قطع البهجة تحتها...جعلتني تلك الرسمة استدعي مجموعة من الذكريات المميزة... تجمعت في مخيلتي قطع تراكبت فوق بعضها البعض... شذرات من الطفولة الأولى، ومشاهد أخرى قريبة كلها محببة إلى نفسي... كأنني أقف الآن أمام ذلك الشاطئ متأملاً ما يدور حولي...



                              




في ديسمبر 2011 قمت برحلة قصيرة إلى مدينة دهب في جنوب سيناء مع مجموعة كبيرة من أصدقائي... في اليوم الثاني من رحلتنا توقفنا قليلاً على شاطئ ضيق محصور بين مياه البحر الأحمر الفيروزية وبين جبل صغير..
كان الشاطئ مليئاً بالحجارة الملونة الصغيرة.. –ولا أستطيع أن أتذكر سبب وجودنا هناك الآن- تسلق بعضنا سفح الجبل الصغير ليستمتع ببانوراما أوسع للمشهد البديع حولنا، تمشى آخرون بمحاذاة الشاطئ الذي يبدو صخرياً، وكأننا نقف على حافة حوض مائي عملاق، يمكنك أن تستشعر العمق الهائل للماء إذا ما أمعنت النظر في زرقته الآسرة...
لا أذكر من منا بدأ بقذف الحجارة على وجه الماء، محاولاً جعلها تقفز... لكنني أذكر جيداً أنه لم يكن بمقدوري مقاومة تلك الرغبة العارمة في لمس تلك الأحجار الملونة الصغيرة... كأنها تنادي بصوت غير مسموع... أخذنا نتنافس معاً في إرسال الحجارة لأطول مسافة ممكنة... بعضنا يجيد ذلك بالفطرة –ربما؟- والبعض الآخر يجرب للمرة الأولى... ساعدت صديقة لي في محاولتها الأولى... وتراجعت للخلف أراقبهم جميعاً... أراقب تلك الفرحة الطاغية تقفز من عيونهم، أكاد ألمسها... وأخذت أستعيد تجاربي السابقة محاولاً قدر المستطاع أن أتذكر المرة الأولىى التي أرسلت فيها حجراً صغيراً ملوناً ليرتد عن سطح الماء بتلك الصورة السحرية... هل كان ذلك على الشاطئ في الكويت أمام الأبراج؟ هل كان أمام شاطئ النيل في مدينتي الصغيرة فارسكور؟ ربما في زيارتي الأولى لراس البر..



هناك ذكرى قديمة صامتة في ذاكرتي لجدتي على شاطئ راس البر تمسك بيدي ويدها الأخرى تقبض على حجر أحمر شبه شفاف ومسطح... تبسط يدها أمام ناظري، فأتحسسه جيداً بأناملي الصغيرة، ثم أنظر إليها فتبتسم ابتسامتها الآسرة المميزة، وويتوهج خداها بحمرة الشمس الغاربة هناك فوق الأفق... تقبض يدها على الحجر، تضبط إيقاع ذراعها وجسدها على مسار ذلك الحجر نحو الماء ثم ترسله بقوة.... الشمس تملأ عيني بالوهج ولا أرى المشهد واضحاً... تجلس جدتي وتجلسني إلى جوارها، الأمواج الصغيرة قوية، تحركني كورقة شجرة ضلت طريقها إلى شاطئ البحر... وجدتي تحكم قبضتها على ذراعي وتخبرني حكاية حورية البحر التي تأسر الأطفال الرائعين مثلي... أقول لها وأنت حورية البر التي تأسرني الآن... –هل قلت لها ذلك فعلاً؟- تأتي موجة قوية تصفعني بالماء على وجهي... اتذكر ذلك واضحاً تماماً في هذه اللحظة... وأتذكر شهقة جدتي وهي ترفعني من الماء بعدما انقلبت على ظهري! واتذكر صرخة الفرحة الطفولية النادرة منها، التي أطلقتها حين رفعت يدها من الماء قابضة على حجر أحمر صغير شبه شفاف... "يبدو أن حورية البحر أرسلت لنا هدية جميلة.." امسكت بيدي وبسطتها ووضعت فيها الحجر ثم طوت أصابعي عليه، ضغطت على يدي بقوة وابتسمت مرة أخرى ابتسامتها الآسرة المميزة... أشارت نحو الأفق وأسندتني لأقف... يمكنني أن أراني من هنا، طفلاً صغيراً دبغت شمس النهار وجهه وظهره وصدره العاريين... –هل كان يرتجف من تيار الهواء المار في تلك الساعة على جسده المبلل بماء البحر؟ تسنده تلك السيدة الضخمة بيدها، تبدو كأنها العالم كله بالنسبة له... يقف، يشد ذراعه الدقيق إلى الخلف، يستشعر الحجر في كفّه كأنه جزء منها... يستكشف صفحة الماء المتوهجة بنور الشمس المسكوب فوقها في تلك اللحظة... تبدو لحظة بعيدة غارقة تحت طبقات عديدة عتيقة من الذكريات.. يغمض عينيه ويبتسم ابتسامة ساذجة بريئة.. يتخيل حجره الصغير وهو يقطع البحار السبعة التي تحكي عنها جدته حتى يصل إلى رأس حورية البحر –خطافة العيال- والتي من أجلها تمنعه جدته من اللعب قرب شاطئ النيل في بلدته... يشد ذراعه ويفردها حتى أقصى مداها... ثم يدفع الحجر بيده الصغيرة نحو الأفق...

جذب أحدهم ذراعي وانتشلني من بحر تلك الذكرى... كانت تلك صديقتي التي ارتد حجرها عن سطح الماء مرات ثلاثة! 
ألقيت حجراً أخر، قفز مرة واحدة... تكفي تلك القفزة لصنع جرعة صغيرة من البهجة، ثم شردت ثانية وأخذت أفكر: لماذا نبتهج عندما تتقافز تلك الأحجار الصغيرة التي نلقيها على صفحة الماء؟ ألأننا نبعث الحياة في الحجر، ألأننا نمنحه قوة يصنع بها المستحيل: فبدلاً من الغرق يقفز فوق الماء! أو ربما نبتهج عندما تدرك عقولنا الباطنة أننا مصدر هذه القوة، ربما نبتهج عندما نرى قوتنا تغير الواقع المعتاد، نبتهج عندما نثور ونُغير ولو في صورة حجر صغير يرتد عن سطح الماء ...... هل أشعر أنا بتلك البهجة الغامرة التي أراها في عيون أصدقائي؟ هل تشع ابتسامتي بالفرحة مثل ابتسامة جدتي؟ هل أرتوي بالبهجة التي أحتاج؟ أدركت فجأة أن ما يهم في لحظة البهجة هو الارتواء بها... سأتوقف عن طرح الأسئلة قليلاً، وأسكب روحي لتطفو على صفحة الماء... ثم أركض نحو الطفل الصغير الذي كنته، أحمله بين ذراعاي القويتين وأرميه في الهواء... أعرف أنه يستمتع بتلك الرحلة الجوية الصغيرة أكثر من أي شيء آخر...