‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق بريد يطفو على صدر ليلة



اليوم: العاشر.
المكان: أمام بحر.

ماذا تقول الرحلة؟
تقولُ أبحر. تقولُ أبحر. تقولُ أبحر.

روحُ الرحلة تتلبسني، تهمس في صدري،
تملك أمري كله،
تدفعني كي أُبحِر في عاصِفتِك؛

أصنع طوفاً من كلماتي/
من أعوادِ الياسمينِ وأغصانِ الليمون،
وزهور المشمشِ وخيوطِ الشمسْ/
أصنع مرساةً من حجرٍ فيروزّيٍ/
ساريةً من عاجْ
وشراعاً
من ثوبك الأزرق التائه في عينيّ منذ عرفتك/
ثم أبحر في عمق لياليَّ بلا دفة...

(...)

اليوم: تاهت الأيامُ بعد أولِ ألف.

من أنتِ؟

هذي الليلةُ،
أمواجكِ تغمرُ طوفي...
تحيي طيفي/
أتذكَّرُ
في مرآتي:
كنتِ أرق من صباح ربيعيٍّ
وأبهى من سمائه،
ساحرةً كفجر ليلته الباردة نسبياً
/وكنتُ أسهرْ/
كنتِ دافئةً في عينيِّ
مثل شمس الصباح الربيعي المستيقظة بعد كسل الشتاء/
أتذكرُّ
في عينيَّ كنت بريئة كروح الطفولة
وغامضة كقلب هذا المحيط الفسيح/
أمام عينيِّ تبتعدين في إصرار أمنيةٍ تؤمن أنها
ليست لي./
عزيزةً عليّ/
وقريبةً
كالألم المحيّر في أوصالي.
كنتُ أسلّم أمري للموج
وأشهد أني أحبك.
وكان الموجُ يدفعني
نحو بحورٍ جديدة...
/ما زلتُ أسهرْ/

(...)

اليوم: أربع سنواتٍ؟ خمسة؟
اختلط الأمرُ علي بعد البحر الأول.

أصنع من كلماتي عصافيرَ ورقية، وأطيرها.
كتابات آخر الليل خطيرة على متجرعها -تقول النشرة الطبية-
يُحفظ بعيداً عن متناول يد التائهين -تهمس النشرة الطبية-
كتابات آخر الليل تتوه في العتمة، وتغيب، وتكسر قلب الشاعر.
وكتابات آخر ليلي تتكثف في سقف العالم منذ بداية الرحلة؛ 
سحاباتٍ صغيرة معتمة/
تأكل السحابات أوراق النجوم
تقتنص العصافير الهشة
وفي الصباح تمطر السماء أجنحة معتمة وهياكل ورقية..
فأعيد تدوير كتاباتي القديمة/
امنحهُّن حياة جديدة -أقول لنفسي- وأنفخ في أقصوصة الورق/
أقول لنفسي أشياء عديدة،
هل يمكن للكتابة أن تشبه الطبخ -في صدقٍ- أو أنها لن تفعل؟
ربما أغزل الكتابة وأحيك للعصافير منها ثياباً 
مضادة للعتمة.

السبت، 14 فبراير 2015

فراشتي




عزيزتي
خلف البحار البعيدة--
أمام المرآة التي لا تخبرك الحقيقة كاملةً؛
تلك التي تنظر إليك عبر الجهة الأخرى
معجزةٌ على وشك الوصول،
آيةٌ أؤمن بها.
روحها الآسرة مخبئة بين ظلال قشرتها الرمادية
بين تجاعيد الأوراق الخضراء الندية
وشقوق الأغصان الشائكة التي تزحف عبرها في الصباح
وبين الأجنحة الطرية الملتفة حولها تحت ذلك الجلد..
منتظرة صعودها/ صعودك الهادئ نحو شمس قريبة.

عزيزتي
ساعة مكتبي تشير إلى الآن
وساعتك البعيدة ما زالت تُشير إلى أمسي
لكنك معجزتي الباهرة
وإلى روحك تصبو روحي الصغيرة.
يجتاحني شعور غامضٌ حين أكتب إليك
يشبه الانتماء إليك وحدك.
وحدكِ
أنتِ المدينة في قلبي،
وأنتِ رائحة الفجر حول بيت طفولتي،
ولون أحلامي المأسورة لديك يُشبه العسل في كوب حليب طازجِ/
أنتِ السكن المُشتهى،
حلمكِ دفئ
هو هرولة الوحشة نحو باب الرحيل
واندفاع فيض الحياة في أوديتي المهجورة.

عزيزتي
دودةَ القز التي تحدق في المرآة خلف بحارها البعيدة
تقولين
«كيف أحبكَ ولا أجد نفسي حين أنظرُ إليّ؟»
أرى انعكاس وجهك على زجاج ساعة مكتبي
فراشة ً
مدهشة ً
بديعة ً
وبعيدة، 
أمام مرآة لا تقول الحقيقة

عزيزتي خلف البحار،
أكتب إليكِ عينيَّ
انظري فيهما ترين ما أرى
أكتبُ إليكِ أناملي
تنزف شوقاً
أكتبُ إليك الكتابة
تطاردني، ولستُ أهلاً لها
حروفها تتهجاكِ
«فـ ـرا شـ ـتـ ـي أ نـ ـتِ»


  أكتوبر 2014       

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


الأحد، 20 يوليو 2014

وشوشة الجميزة في ليل ديسمبر



(1)
العاشرة إلا ربع مساءً... أصبحت الحادية عشرة والربع تقريباً... أهذي في كتابتي... صديقتي التائهة بتحكي لي عن اكتئابها الآسر وعثرتها المؤلمة، وكل ده مفيش منه قلق حقيقي، لأني عارف إن وحدتها خلف البحار في مواجهة أزمتها هي مشكلتها الأولى... ومفيش في إيدي غير إني أنصت لها، وأدعي بإخلاص.

(2)

الثانية صباحاً...

بافكر أعرض نفسي للتبني -جزئياً- أثناء إقامتي في القاهرة، خصوصاً إني طفل كبير مُسلي ومُطيع ومُرتب ومابعملش دوشة، وباعرف أطبخ كويس جداً في وقت فراغي، وبشكل عام أي أب وأم يتمنوا كائن حوزوي مكلبظ في بيتهم.

ده غير إن أنا جعان جداً، لسة مخلص فاينال بريزينتيشن لمشروع الترجمة من ساعة، وعايز أبدأ أكتب المقالة اللي هاسلمها لدكتورة الأدب البريطاني بكرة (ومفيش بيني وبين الست دي أي عمار) وأجهز للبريزينتيشن بتاعة بحث كورس الكتابة التحليلية... ليلة طويلة وبعدها يوم أطول... وكرشي الكبير مش هايسيبني في حالي النهاردة....

دكتورة الكتابة الإبداعية طلبت مني أكتب قصيدة حرة باتخيل فيها محمود درويش وهو بيقرأ... وقصيدة "درس من كاما سوطرا" عمالة تلعب في دماغي.... بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف... انتظرها! والجبال تطير في الهواء زي كوكب بندورا، والسما صافية مفيهاش ولا سحابة...

وأنام، فيدخل أبطال المسرحية اللي باترجمها، وينوروا النور ويدبدوا برجليهم على خشبة المسرح، ويزرعوا شجرة كبيرة في وسط دماغي الصغيرة... والشجرة تكبر بسرعة مدهشة وفروعها تخترق السقف وورقها المنمنم بينور الأركان المعتمة اللي فوق...

ولسبب غامض باحلم بالتلج، وإن الشجرة الصغيرة البشعة اللي تحت بلكونة أوضتي في فارسكور بقت شجرة جميز كبيرة أطول من البيت نفسه... وإن الأرض مرصوفة اسفنج والناس كلها بتتنطط في الشارع...

وأصحى من الحلم جوة الحلم، الشجرة بتغير جلدها، وعطر خشبي محير مالي الجو، عطر مدهش ريحته شبه اللمون والقرفة والمستكة والعيش السخن والكمون المحمص.... وزحليقة كبيرة مصنوعة من لحاء الشجرة بتوصل بلكونتي بالشارع... وابن عمي الصغير بيغني في البلكونة وبيطير لبيت الجيران....

وشهرزاد كورساكوف طالعة زي الحلم من قلب الشجرة، وأنا سكران م البرد ومن العطر اللي مسيطر ع الجو...
احساس مُريح، راحة آسرة شبه الطمأنينة في حضن بابا وشبه وقوف الزمن والدوبان في حضن ماما...

وعشان أحضانهم أكمل من الأحلام وأجمل منها، الإحساس ده ما بيكملش.. وأرجع أفوق، أحسس على السرير أدور على النظارة، أعد من واحد لخمسين في خيالي، وأحبس نفَسِـي ست سبع ثواني.... كده اتأكدت إني صاحي، وإني لازم أقوم. وأقوم. أرتب السرير، وبرد البلاط يلسعني. في الحقيقة ده مجرد وهم...

(3)
أقعد قدام اللابتوب، لسبب ما شبح هارد هاتفيلد مسيطر على صوابعي، مجرد ما أمدها على لوحة المفاتيح أفتكره في دور دوريان جراي، نظرته الحالمة ونص الابتسامة البريئة المرسومة على وشه، وأد إيه أنا مفتون بعزفه على البيانو... ولسبب أكتر غموضاً، نظرة عينيه المحيرة بتفكرني بنظرة حسين في الباب المفتوح... عشرين سنة فرق، وشخصيتين مختلفتين تماماً، وأشباح كتيرة ودلالات متباينة وأجندات سياسية وأحلام وأوهام وبلاوي متلتلة على دماغي، كلها بتتقابل في دماغي، وبتعمل دوشة في أكتر وقت انا محتاج فيه تركيز... وبلاوي أكتر جاية في السكة لو مبدأتش أكتب اللي الدكتورة عايزة تقراه بكرة الصبح...

(4)
وأسمع مزيكا شبه الحلم قبل ما أنام... وأسرح:



الاثنين، 14 يوليو 2014

هاتعمل إيه يا ولد












وهاتعمل إيه يا ولد
في قلبك المقبوض
وقطعة الكهربا
والناموس اللي بيلسع من فوق الغطا
والعتمة
والوجع

ليل الصيف المخطوف
وحر الليل غلب حر النهار
وتقاسيم ع الكمنجة مكتومة في صدرك
والعتمة أتقل م النور في قلبك
والدوشة في الشارع رغم العتمة طالعة
ونسمة طراوة على استحياء
وحيرة
ونفحة منتظرة من الفجرية
وغجرية مسحورة بتستناها
والنوتة سلالمها مكسورة

والحيرة
والعتمة
والوجع
وريشة المروحة الساكتة
وصوابعك المشلولة عن الكتابة
وأفكارك الشاردة
والصبر
وأستاذك الطيب
وواو العطف
بتلضم تفاصيل المسا
في عُقد في خيالك
نقطة من وجع روحك
متدوبة في بحر أبيض
من الياسمين

دم المحابر
محبوس تحت طبقات الأسى
متحاصر بالمخاوف
مخلوط بالدموع
ودخان الشموع
وأحلام الورق
وقلبك المقبوض
ينتفض
ينصعق بالحزن
ينتفض
يدوق طعم الهلع
ينتفض
كل شيء في بحر الياسمين أبيض
قلبك المقبوض
يسكن
يدوق النور
ينتبه على لسعة ناموسة
يكتشف سكون آخر ساعات الليل
ويتوه في حيرته
ويكتب كلام
مفكفك زي حلمه


وهو صغير كان بيحلم بالسما
نجومها قريبة
مش ناقصه غير إنه بس شوية يكبر
ويلمسها
ويعرف طعمها
لكنها
طلعت أكبر.


الخميس، 24 أبريل 2014

من أخبار ما شهدته شجرة المانجا في الصيف الماضي

               



كان النسيم عليلاً، رغم الساعة الثانية ظهراً وموجة الحر المبكرة، وكان غناء العصافير شهياً واستدارات ثمار المانجا الخضراء الصغيرة مغرية بالأمل في الحياة... وكنت أجلس هناك تحت شجرة المانجا، مواجهاً أميرتي البيضاء... أحاول بجهد كبير أن أستجمع شتات أفكاري وشجاعتي وجرأتي... أحاول تعطيل كل منبهات الأخطار بداخلي، أتجاهل صوت العقل، أعزف كل الموسيقى الملحمية في ذهني، ثم أعزف كل مقطوعة مسالمة في اللحظة التي تليها، يدور الكلام منغماً في ذهني لكنه لا يخرج أبداً للنور.. وأعرف أنني أمضي إلى ما لست أعرف...


أجلس بجوارها، أدرك أن على وجهي ابتسامة غريبة، تتراوح بين الخجل ونشوة السعادة... صامتاً، أحاول أن أنطق ولا أستطيع.. أحرك شفتي بغير صوت، أنظر في عينيها أتأملها، أحاول أن أتأكد للمرة الألف ألف أنني لن أُميلَ قلبي إلى فراغ... أبتسم وألعب الموسيقى في عقلي، أصوات جوقة من الاطفال تهدهد روحي.... قلبي مرتبك، أعصاب ساقي اليسرى تتحرك بغير إرادتي، يدي ترتعش خفية... ترتسم الحروف مرة أخرى ولا تبين لها...


وكانت أميرتي جميلة، ربما أكثر جمالاً من كل مرة مضت.... وكنت أعلم أنها تتوقغ اعترافاً من نوع ما، كنت أعرف أنها تحدثت إلى صديقنا المشترك بشأن ذلك المجهول الذي دعاها إلى الغداء، لكن لم أعلم أنها تستبعد أن يميل إليها لأنه (أكثر روعة؟) مما تستحق هي! – بينما هي لا تعلم أنني أراها الأكثر روعة، والأطيب روحاً والأنقى.. الأنقى مما أنا عليه... 


ثم أُخبرها.... أُخبرها ان "حكايتنا" تحتاج مدداً عظيماً من الشجاعة لتُروى... أُخبرها أن الحبَّ يقشِرُني كالبرتقالة؛ يفتحُ في الليل صدري، ويتركُ فيهِ: نبيذاً وقمحاً وقنديلَ زيتْ. أُخبرها أن قلبي تعب من التقلُّبِ: يبحث عن قلبٍ يؤمن به يستند إليه... وأن غاية سعادته في سُكناهما، لكنه يخشى أن يميل إلى فراغٍ مرةً أخرى فينكسر... وأُخبرها أنها إذا ما أمالت قلبها قليلاً نحو قلبي لربما سكن القلبان وأنبتا برعماً جديداً يُزهِرُ بصفاء الحياة... ولا أُخبرها أنَّ حنيني يكوي أضلُعي، لا أُخبرها كم أشتاق... أتلعثم حينَ أنظرُ إلى عينيها مرة أخرى.. وتغمرني روحُ طفولةٍ آسرة... لا أقولُ من ذلك كله حرفاً واحداً... أبني كلماتي وأهدِمُها مرة تلو الأخرى.. ولا أدري ما الذي تخشاه.. أتساءل أين المعنى وأين الحقيقة.. أميرتي البيضاء المشرقة: أين السبيل إلى عينيكِ؟... تماسكي قليلاً ولا تكُوني عصفورةً هاربة!



الأحد، 20 أكتوبر 2013

إلى قمرية...

إلى قمرية...



"أيتها الغمامة القمرية:
عابرةٌ في فضاء الروح أنتِ..

يتقاطر منك النور على دربي
وتطاردك أسراب فراشات القلبِ

لا تشعلي صدري بشرارات عينيكِ، 
فأجنحة قلبي الصغير تحترق بسهولة..
وعينيك اللوزيتين لا تكفان عن إشعال الحرائق الصغيرة في أجنحة الفراشات التي تطاردها.


لا تسرعي،
فقلبي لا يرتوي إلا من قطرات نورك؛
يداوي بها جراحات فراشاته
يشيد قصراً من بلور
يزرع في ساحاته قرنفلة وياسمينة وتينة
يغرس روحه تحت جذور التينة
ويشرع أجنحته
يخفقها مرة أولى فيثير زوبعة من الفراشات الصغيرة
يخفقها ثانية محلقاً نحو النور
ليتابع احتراقه في ظل روحك
ويحصد موته المشتهى
في حضن عينيكِ"