‏إظهار الرسائل ذات التسميات شجرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شجرة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 يوليو 2016

ذاكرتي المزيفة، أو صوت بيبه



Hope I - Gustav Klimt



الحقيقة أنني جلست لأكتب أن صوتي أحيانًا ما يأتيني من تحت ماء مجازي يغمرني. الصوت حقيقي. تنفسي مثلًا. ارتداء سمّاعات سواداء صغيرة عازلة للأصوات الخارجية قد ينتج هكذا تأثير. لكن اليوم بدت التجربة مختلفة للحظة قصيرة. بدا الصوت آتيًا من داخل جسدي المغمور في جسد بحر حقيقي هادئ. ارتبكت حين انتبهت مرة أخرى لجلوسي على الكرسي الخرزان والطاولة الخفيفة. ثم ملأني حنين غير مفسر لصوت شيريهان وعبلة كامل وأخريات في عرق البلح وهن يغنين بيبه. «بيبه والسمن سايح/ سايح لفوق» أكتب بيبه والسمن سايح في شريط بحث جوجل، أقرأ النتائج: «أغنية بيبة الأصلية، جودة عالية» «بيبه عرق البلح» «الأغنية البديلة: بيبه –شيريهان وعبلة كامل» لكن ما يلفت نظري فجاة هو مدونة قديمة، ربما مهجورة اسمها «مرارة روح» فقط يقتبس صاحبها عنوان الأغنية، ويضع رابطًا معطلًا لتسجيل لدنيا مسعود وهي تغني بيبه في 2009. أبحث عن التسجيل في أماكن أخرى حتى أجد أكثر من تسجيل لعدد من الحفلات. لكن أداء دنيا مسعود يبدو أسرع وأكثر احتفالية من بيبه التي تحتفظ بها ذاكرتي. يعرف صاحب مرارة روح نفسه بأنه غجري لا بيت له، عليك أن تتحمل مسؤولية الجلوس معه وحدك، فهو سيسرق ملابسك ويرتديها إذا ما لائمته. يكتب هذا التعريف بالإنجليزية، ويستخدم علامات ترقيم إنجليزية وسط نصه العربي القصير. لكنني أستمر في البحث عن نسخة بيبه التي تحتفظ بها ذاكرتي. ربما هي خدعة أخرى من خدع الخيال؛ أو أنني فعلًا تلصصت على فتاة ساهية تغني بيبه على مهلها وتبكي خلف أشجار البرتقال في حديقة المكتبة. لا شيء حقيقي في هذه الكتابة غير الخيال. أخبرتني السيدة التي تجلس في الجهة الأخرى من العالم أنها لن تتمسك بي طويلًا إذا ما تماديت في أفعال التراخي. قالت «يا بني» لم أتوقع ان تتمسك بي للحظة واحدة أخرى. قالت السيدة اكتب، انت ممتلئ بالطاقة والموهبة. قالت ترجم، لغتك جميلة ومحكمة. تنهدت الفتاة الباكية خلف صف أشجار البرتقال ونكشت في العشب بأصابعها البيضاء الدقيقة. ابتسمت أمي وأغلقت الباب ونزلت درجات السلم على مهلها في هدوء. صفق الأخ الأصغر باب غرفته في عنفوان مضحك وغضب ممسرح. وجلست أنا، أو هربت منهم جميعًا. بيبه والسمن سايح. تستكشف الأخت الصغرى عتبات القراءة، وتغيب الأخت الأكبر ساعات طويلة تغزل خيوطها الملونة الجديدة. بيبه والصعيد مات. يحمل أبي سكينه اللامعة، ويقطع الحائط قطعًا صغيرة ملائمة للأكل. يقطع الأشجار، وقطعة الأرض، والحيوانات المدجنة والسكاكين الأصغر وقواعد النحو. رشة شطة حمراء صغيرة، تصبح المكونات جميعها متشابهة. بيع النخل يا أحمد علي، بيع نخلنا كله. وأجلس أنا تحت أكوام قطع الأحاجي التي تحيط بمقعدي، أترجم دماءً ودموعًا تسيل من تقرير مكتوب بعربية ركيكة إلى إنجليزية متماسكة. وأحاول أن أعزل نزفه عن مشروع مقالة أحاول كتابتها منذ أسابيع طويلة. تسألني السيدة الأخرى عن مقالي الموعود فأهرب منها، وأتمادى في الهرب. يا أحمد علي يا أحمد علي، النخل راح ضله. وحين أحاول أن أتكوّر في بطن الماء أجد الشاطئ ضحلًا. يقيدني أبي من قلبي. يقول لا تذهب فيبلعك الغياب. لا تحاول قد تلتهمك الغربة. ولا أحاول. لكن قطع الأحاجي تذوب، مثل قوالب شمع متقنة الصنع. تذوب وتتمازج. تحتال الأحجية على نفسها، تتماسك دون أن تتحدث إلي، أو إلى أي أحد. كيف أحل قطع الأحجية المنصهرة داخل بعضها البعض؟ تذوب الأحاجي وتصبح نجمًا صغيرًا معلقًا في سقف غرفتي الفستدقية في خيالي، يملأ فضائها؛ ويأتي الليل فأصبح قمرًا باردًا وأغرق، أنا والصوت الذي أحمله في صدري والكتابة المعلقة على أطراف أصابعي، نغرق سويًا في جحيم نجم الأحاجي. تغلفني صهارة الأحاجي بطبقات ملونة، مثل أصداف لينة تتطابق مع ثنايا جسدي الأبيض الممتلئ. أتكور داخل نجم الأحاجي، وداخل جسدي؛ أتكوّر داخل رحم الأصوات. طبقات الشمع تسد مداخل حواسي جميعها، فقط أنصت للصوت القادم من هناك البعيد، من داخلي أنا. يأتيني الصوت غامضًا، مثل نفسٍ أخرى ظهرت فجأة تهمس من تحت ماء مجازي يغمرني. بيبه والسمن سايح. سايح لفوق. سايح لفوق. تطلع الشمس في عربة تجرها العصافير الرمادية الصغيرة. تبكي شمس الصباح فتركض العصافير في دهاليز السماء تبحث عمّا يلهيها. آسف، العصافير لا تركض. تقفز العصافير الرمادية الصغيرة بين السماوات الهشة المرتبة فوق بعضها؛ تهبط السلالم المصنوعة من أوراق شجرة التين. يحط عصفور رمادي صغير على عتبة شباك الغرفة في خيالي. يحرك رأسه في عصبية. يتقافز في خط أفقي محاولًا التلصص. محاولًا الإنصات للصوت المكتوم الهامس بالداخل. يهرب العصفور. –أو هكذا يبدو- يرجع العصفور فجأة. يتعلق بأصابعه المخلبة الصغيرة على وجه الشباك، يتعلق مقلوبًا. يحرك رأسه في عصبية، ينظر بعين واحدة في كل مرة. يرفع رأسه نحو الشمس المتكئة على بر النيل الغربي –نعم الغربي لأن هذه الجهة من بلدتي الصغيرة مشيدة فقط في خيالي، خلف شجرة البونسيانا التي لم تعد موجودة هي أيضًا- فتسكت الشمس، وتصمت العصافير والسماوات الصغيرة وجيوش الجيران المزعجين. يغمض العصفور عينيه وينقر وجه الشباك نقرة واحدة فيتداعى عالم الغرفة [سكتة] ولا ينهار. –هل من حقي أن أضيف توجيهات مسرحية إلى نصٍ منزوع الهوية؟ وهل يضيف المسرحيون توجيهاتهم في متن النصوص؟- عالم الغرفة لا يتداعي فجأة [كما قد تفترض الصورة المعتادة لمثل هذه المشاهد]. فقط يتفكك؛ ينفصل؛ يتمايز. الألوان تتنافر وتبتعد، خيوط النسيج تتخلى عن بعضها، يسيل الغراء وتخرج المسامير الصغيرة من أخشاب الشباك وأركان السرير والكرسي والطاولة. وينطفئ نجم الأحاجي. تتقاطر الأحاجي عن ظهري وبطني، ومن فتحات أذني وعيني ثم تُخلي تجويف صدري. تتخلى الحوائط عن تماسكها، يسيل الاسمنت ثم يتفكك بدوره إلى ماء ورمل وهبو رمادي دقيق. تصّاعد قطع الأحجية وتسقط على سقف الغرفة، ترسم غابة صغيرة  وتتركني مغلفًا في صوتي، معلقًا في الفضاء الذي كانت تحتويه الغرفة. يقفز العصفور فوق مفردات الغرفة ويحط فوق الجسد الأبيض المغلف في الصوت المكتوم –جسدي. يحرك العصفور رأسه في عصبية، يصدر صوتًا لا يشبه العصافير، ويعض صوتي بمنقاره الدقيق ويغرس فيه أصابعه المخلبة ويشد بكل قوته، بمنقاره ورقبته وعضلات صدره وسيقانه الدقيقة. ينتزع مزعة بحجم منقاره فينفجر كيس الصوت ويتمزق، يسقط الجسد، أذرعه وسيقانه ثقيلة ومرتخية –جسدي. ثم تسّاقط الأعين والآذان [أتركها في صيغة الجمع لسبب غير معلوم، ربما ملائمة صوتها لاندفاع النص الذي أكسره الآن؟] ثم قطع الجلد، ثم الأنف والشفاه وأسنانه الضعيفة وألسنته العديدة. ثم تصّاعد قطع الجسد وتسقط في الغابة المعلقة على سقف الغرفة، تنغرس بين الأشجار أو تلتحم بأطراف أغصانها وتتدلى، تسّاقط الأضلع والأحشاء، يسّاقط الجسد –جسدي، ويملئ الفراغ بيني وبين الغابة. كل المفردات تفككت عدا الصوت –صوتي الأزرق- بقي معلقًا في مكانه، يهتز؛ لا يسقط أو ينهار. يصدر الطائر صوتًا لا يشبه العصافير، فتفيض العصافير عبر كل السماوات الصغيرة، تنزع الأعين والآذان عن أغصان الشجر، تمزق الأحشاء المعلقة بين شجرتين، تُفكك القلب إلى خيوط صغيرة، تحمل الأصابع وأسنان القلم وحروف اللسان؛ تحمل العصافير ما تحمله وتطير تعصف بفضاء غرفتي ثم تندفع داخل قلب الغابة النابتة على سقف الغرفة وتغيب، تنظف العصافير جميع أركان الغرفة وثناياها، تنظف جميع آثار غلالة الصوت التي غلفت جسدي، جففت قطرات الدم الصغيرة المعلقة في فضاء الغرفة وحملتها بعيدًا. تأكدت من محو بصمات أصابعي جيدًا، جمعت ريشاتها التي سقطت. خلعت أوراق الأشجار، ثم وريقاتها، ثم الأغصان والجذوع. كأن الغابة الصغيرة والغرفة الصغيرة والعصافير والسماوات انفجرت إلى الداخل، تداعت على نفسها حتى اختفت. وبقي الصوت –صوتي- معلقًا وحده، ينبض في الفضاء الأبيض. [هل تؤثر القفزة من زمن المضارع إلى الماضي على إيقاع النص، هل تفسده؟] تركض العصافير، وتنثر ما جمعته في خيط طويل ممتدد بين النهار والليل؛ تنثر الألعاب الغرائبية أمام الشمس، فتتوقف عن بكائها، وتسيرُ، طفلةً مسحورةً على الدرب المخادع. تمرُّ الشمس أمام فضائي الأبيض ويسقط نورها دون أن تدري على الصوت المعلّق –صوتي- فينفذ خلاله وينثر ظله الشفاف، يطلي به ذكرى مساحاتِ غرفة لم تكن/ لم تعد موجودة. تعبر الشمس، وينسحب نورها. لا شيء حقيقي في هذه الكتابة إلا صوتي العاري المكشوف؛ لا شيء حقيقي غير الحروف السابحة حول الصوت محاولة تكوين نفسٍ جديدة سليمة. عين، وياءٌ، نون. همزةٌ ذالٌ نون. قاف لام باء/ قلب. قـ ـلـ ــم. خطوة. صوت. الصوت يهمس. الصوت ينبض. الحرف يخطو. القلم يدور. بيبه (...). 

الخميس، 25 يونيو 2015

ملح الكتابة ونورها





اكتشفتني الوحدةُ جالسًا منفردًا أتأمل شجرة البومباكس العظيمة وسط حرم جامعة المنصورة فوُلِدتُ مرة أخرى. تلك الشجرة التي نبتت من حلم ما ثم جلست مرتاحة توزع أثواباً من روحها على العابرين في مجالها. بحثتُ عن أستاذ يعلمني الرسم في الصباح التالي، رسمت عشرات الأشجار والمروج في مرسمه الصغير ولم يكن من بين أيٍ منها شجرة بومباكس واحدة. رسمت عشرات الأشجار والمروج ثم انهار السقف عليها وانهارت الجدران والطوابق الستة العتيقة فوق المرسم والأشجار ومحاولاتي جميعًا، ولم ألمس ريشة واحدة ولا أنبوب لونٍ منذ ذلك اليوم، لكنني كتبت. كتبت عن العالم الأخضر الرقيق الشفيف الذي يوازي عالمي، عن أسماء الأشجار التي لا أعرفها والزهور الصغيرة التي تتفتح في شق جدار غرفتي حيث تنفذ الشمس. مدينة الأمل للطلبة؛ حيث كنت أسكن، تبدو كمزحة ثقيلة، لا فسحة للأمل فيها حتى اكتشفت نفسي في الكتابة.

 لا راحة في العودة إلى مدينة الأمل الغائب، ولذا تتوه خطواتي وتدور في المسافة بين قاعة الدرس ومدينة الطلبة في نهاية الأيام. تعثرت في جسد طائر أخضر ملقى على الأرض ذات يوم في أول الربيع. كان الطائر زهرة سقطت من عشها على جناح الشجرة الهائلة الممتدة في الفضاء. تهز رياح الخماسين فروعها فتسقط الأزهار الحمراء الضخمة، يذوي لونها الأحمر سريعاً وتتحول لطيورٍ خضراء ميتة. رفعت رأسي نحو الشجرة فملأتْ قلبي برهبة غامضة. لم تكن الطيور الخضراء الميتة ميتة، كانت تهمس برغبتها السرية في الامتداد لحيوات أخرى، وكانت شجرتها تتنفس ببطء، ينمو حولها سياج من أجساد الطيور شبه الساكنة، يزحف السياج نحوي ويأسرني أنا أيضًا ببطء. ملاتني الشجرة بسطوتها وهمسها. ابتلعتني الشجرة ولمست قلبي. رأيت الموت يلمس قلوب زهورها الطيور، وتذكرت صوته. لفظتني الشجرة على جانب الطريق فركضت إلى غرفتي وفتحت دفتري الأخضر. همست لي الشجرة أن أكتب، فاستندت عليها وملت نحو الكتابة.

 خفقت الطيور الميتة أجنحتها فسقط جدي من عالم الحزن إلى عالم الدفتر. أراح رأسه بين سطرين وابتسم. ارتشفتُ من الكتابة ما شاءتْ لي حتى تصالحت مع فقدانه. كتابة جدي كانت امتداد حياته بين يدي؛ كتبته ببساطة كما كان ورأيت الموت لأول مرة وديعاً آسرًا ومسلوب الإرادة. خفقت الطيور الخضراء أجنحتها فرأيت نهراً يفيض ويغمر غرفتي، قلب التيار أدراج مكتبي وبعثر محتوياتها؛ رأيت احلاماً صغيرة مكتوبة على أقاصيص أوراق طفولتي، ورأيت دربي لا يمر بجامعة المنصورة حيث كنت، ورأيت أبي يبكي حين وجد جدي مرتاحاً بين سطوري؛ ورأيت نفسي تائهًا مندفعًا... جف الماء وبقيت أقاصيص الأحلام الصغيرة سابحة في فضائي، كنت أميل نحو الكتابة وأسقط معها في قلب الحياة ولم أكن أرى ما أراه الآن.

متى لمست الكتابة أول مرة؟ كنت أستند على زجاج الشباك في شقتنا الصغيرة وكنت صغيرًا وكان صيف المدينة حارًا. ركضت نحو أمي أحكي لها كيف طلب مني مدرس الفصل أن أكتب عن الملح، وكم تبدو الكتابة محيرة، ماذا في الملح، أكثر من كونه ملحًا، لاكتب عنه؟ فردت أمي أجنحتها البيضاء الفسيحة وضمتني إليها، حكت لي أن غاندي علّم الهنود كيف يستخرجون الملح لأنفسهم من البحر، قالت ما يشبه أن الملح قوة، وقالت أن الملح أبيض مثل الثلج، ثم قالت أن الملح أيضاً شفاف كألماسات صغيرة، وضعت في يدي الصغيرة حفنة ملح وقالت أن الملح مسحور، وسألتني كيف ذهب الملح إلى البحر؟ قدمت موضوع التعبير لأستاذي في الاسبوع التالي وكتبت ما شاءت لي الكتابة أن أكتب عن بلورات الملح خفية السحر طيبة الأثر. ثم كبرت ووجدت لسان العرب يقول أن الملح هو ما يطيب الطعام به، لكني لم أجد من يشرح لي كيف تطيب بالكتابة أيامي، أو كيف تلتهب جراحي بملحها: كبرت ولم أجد ما يعرّف الكتابة أو يحكي كيف تغرسني في قلب الألم ثم تجردني من كل الشعور.

بين حياتين وجدت نفسي حين سبحت خارج غرفة الحلم، قادني فيض النهر إلى مدينة شريرة ثم لفظني على  شاطئها اللامع. كانت الأرض زلقة وأحلامي الصغيرة زغبها مبلول وقلوبها مفزوعة، لا يدري أيٌ منا –أنا أو الأحلام أو البيت على ظهري-  إلى أين يقودنا الدرب الجديد. كانت الخطوة حلماً وكان الحرف، ومعاً تعلمنا المشي على أرض المدينة الشريرة وتعلمنا الكتابة.


«طفلي الصغير، من رحمك المسحور تولد أول الحروف وآخر الساحرات،
عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته،
 
وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة وما بعدها؛ ربما حضنٌ طال انتظاره.
قِف الآن وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح...
هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها،
ونفَسٌ طويلٌ،
ثم نفَسٌ أطول»

الأربعاء، 25 مارس 2015

التمرحنة لا يزهر إلا بين ضلوعه





 

(1)

متى تطيبُ روحي يا ربي.

 

ها انا أرقدُ/

أصابعي المرتخية معقودة حول أوردتي. ولا أكتب.

أصابعي معقودة ولا أكتب. أصابعي معقودة حول أوردتي فلا تجري الحياة في جسدي كما يجب. وأصابعي مرتخية، كلما استندتُ عليها اصطدمتُ بالأرض. والأرض تشدني طوال الوقت. وجواز سفري أبيض ينتظر الاحتمالات كلها، لكنه بعيد عن أصابعي. نسيت أين وضعته. في الحقيقة نسيت أشياء كثيرة: في أي جيب يرقد، وفي أي بلدة سقط مني قلبي الأخضر، وكم امتدت جذوره البيضاء الطرية خلفي. نسيت تاريخ ميلاد أمي؛ في الحقيقة لم أحفظه أبدًا. ولم أعرف صوت جدي الأول، ولم يتكلم الثاني كثيرًا حتى آلف صوته وأحفظه. رحل جدي ثم ندمت على كل المرات التي قطعت فيها الطريق مسرعًا حيث يجلس وتظاهرت أنني لا أسمع ندائه. كنت غضًا لم أعرف الموت عن قرب، ولم أتوقعه. ثم هبط الموت على بعد إصبعين من قلبي.

 

(2)

هبط الموت في حجر أبي حيث يرتاح جدي. غلّف الموت صوت جدي في أشرطة بيضاء. قبّلتُ رأسه ثم أحكمتُ عقد الأشرطة حول كلماته القليلة وندائه من فوق مقعده على ناصية القهوة ذات الجدران الخضراء. أحمل ماء الغسل الأخير في دلو أبيض، أقطع صالة البيت المكشوفة من أي غطاء في مدارات بيضاوية، ولا أخطو على نفس الموضع مرتين. تركتُ جدي هادئًا ولينًا ووديعًا داخل شرنقة موته البيضاء ورحت أركض عبر طرقات مدينتي الصغيرة. نسيتُ ما الذي أركض خلفه، لكنني ركضتُ أكثر. نعم، كنت أبحث عن مفتاح القبر. في مدينتي الصغيرة يخبؤون الموتى خلف جدران عديدة. ركضتُ ولم أجد المفتاح. كانت الشمس تركض مسرعة منذ الصباح، بينما جدي يطفو داخل شرنقة موته البيضاء فوق مئات الأكتاف والأقدام مسرعًا نحو مسجد المدينة الجامع. تسرع الأقدام نحو بيت الرب، وتسرع قدماي نحو باب القبر المغلق خلف سور حصين. أكسر على الموت بابه المغلق. أضع أصابعي العشرة في عينه اليسرى وأستخرج حدقتها الرخامية الباردة. تهاويتُ على الأرض وتركتُها ترتاح في حجري. سالت حشرات سوداء من تجويف العين، وفاض جو حارٌ وقابض في فضاء المكان. جلستُ ألهثُ من الحزن الراقد فوق أكتافي منذ ليلة الأمس. زحف عم شحاتة داخل عين القبر وأزاح آخر الموتى المرتاحين على سرير الرمل، سَمعتُ العظام تتعثر نحو زاوية القبر المظلمة، ثم تتكوم ببطء فوق جيرانها. قبور مدينتي الصغيرة لا تعجبني. أعرف أنني لن أرتاح إن جلست أنتظر نهاية العالم محبوسًا داخل عين مصمتة من القرميد الأحمر. فتحتُ النوافذ ليغسل الهواء جو المكان. يفيض النور العسلي داخل الغرفة الحليبية. ليلة الأمس أجلستُ جدي إلى جواري على الطاولة الزرقاء، طلبَ كوب حليب بالعسل ولم يكمله. قال «غطّيني»، فوضعته في سريره، أرخيت شاله المعقود تحت ذقنه، فردت البطانية الحمراء الخشنة فوق جسده الممدد، وقبّلت رأسه.

 

(3)

وضع جدي رأسه في حجر أبي، كرر الشهادتين ثم صمتَ قليلًا. نظر إلى السماء، كاد يبتسم ثم.... «يا فرج الله يا قريب يا رب!» قالها ثم نزفت أنفه قطرة دمٍ واحدة ومالت رأسه على حجر أبي. لا أذكر ماذا كتبتُ عن جدي بعدها في دفتري الأخضر القديم، أذكر أنني عدت إلى بيتنا بعد غياب شهر أو يزيد، نسيت حقيبتي مفتوحة بجواري وجلست آكل. عاد أبي إلى البيت في منتصف النهار على غير عادته وجلس بجواري، تناول دفتري وقرأ ما قرأ ثم بكى وضمني إلى صدره في حضن طويل. لم أتجرأ على الكتابة بعدها لشهور طويلة. 

حين رجعت إلى الكتابة لم أجد جدي حاضرًا. سنوات ثلاثة لا تصل إليه كتابتي. ثم يجد هو طريقه إلى دفتري حين جلست ليلة الأمس أكتب عجزي عن الكتابة. ولست أدري لمَ كتبت عن حضور الموت بدل الحياة. جدي الذي عرفته لا يشبه حكايات الآخرين عنه. طفل ثمانيني هادئ ومنكمش. يجلس على ناصية القهوة المواجهة لسور المقابر. يسير بهدوء عبر شوارع المدينة التي لم تتغير في عينيه منذ ثلاثين عامًا. يصف جدي معالم مدينة لا وجود لها. يسأل عن الساعة عند انتهاء النهار مراتٍ عديدة، ينسى الإجابة ويعيدُ السؤال وأتعلم كيف أجيبه دون أن أثير حيرته. يسألني كل ليلة عن أم كلثوم، هل تغني الليلة؟ يتأكد «هي الست لسة عايشة؟» وأعيد الإجابة كل ليلة دون ملل. يرفض تقبل موتها فأحكي له التواريخ والتفاصيل الصغيرة، يقول «تؤ تؤ تؤ، ما تفوّلش ع الست!» ثم يتقبل الحقيقة ويدعو لها بالرحمة، ثم يعيد السؤال في الليلة التالية. يبتسم جدي وهو يحكي «أحمد ابن عادل ربنا يبارك فيه فسّحني إمبارح في اسكندرية». لم أكن عرفت الطريق إلى الاسكندرية حينها، لكنني لا أنكر عليه الرحلة ولا الرضا. «قول لهم يا أحمد!» فأقول «حصل»، ويبتسم الآخرون في تواطؤ. يرفض الطفل الثمانيني تناول أدويته لكنني أقنعه بالحيلة، يرفض الجلوس في البيت وسط النهار لكنني أقنعه بحيلة أخرى، أتفق مع صبي القهوة كي لا يغير له حجر الشيشة أكثر من مرة واحدة، يجلس جدي ويطلب لي كوب ينسون وحين يرفض صبي القهوة تغيير حجر الشيشة يلتفت إليّ جدي قائلًا «تصدق إنت ابن كلب!» ويضحك في استسلام عابث، ويقول «قوم روّحني». نتمشى سويًا، يقرأ جدي الفاتحة ويدعو لأسلافه الراقدين في مقبرة العائلة على ناصية الطريق إلى بيتنا.

 

(4)

أجلس وحدي في غرفة المقبرة، يطفو جدي فوق مئات الأكتاف والأقدام على الطريق المنحدر نحو المقابر، تمتلئ الغرفة عليّ فجأة، أحمل جدي في شرنقة موته البيضاء بين يديّ، يبدو أخفّ من كل الأشياء، أضمه إلى صدري لحظة أطول مما يجب، أضمه إلى صدري بقوةٍ فينغزني أحدهم كي أفلته... يريحه عم شحاتة على سرير الرمل، ويُرخي الأشرطة التي أحكمتُ عقدها منذ ساعات. يعيد عم شحاتة حدقة عين القبر إلى مكانها ويعالجها بالأسمنت الأبيض والرمل. عشرات الأيدي تربّت على كتفي ثم ترحل... يفيض الهواء باردًا، يهز وحدتي الجديدة برفق، وأتلو ما تيسر لي من سورة ياسين كما يطيب لجدتي. كنا نجلس حول جدي منذ شهورٍ طويلة، ظنّ أنه سيموت وصدقناه، غامت عيناه وبردت أطرافه وجلسنا جميعًا نبكي في صمت، ثم دخلت جدتي إلى حجرته تزحف على يديها ورجليها، جلستْ بجوار رأسه على الكنبة الحمراء العتيقة وقرأت فواتيح سورة ياسين بسرعة مدهشة فغرقنا جميعًا في ضحك هستيري وسط بكائنا، ثم استيقظ جدي وعاد من موته المنتظر. راقبته طوال ليلة الأمس منتظرًا أن يستيقظ مثل المرات الماضية لكنه لم يفعل. قرأت سورة ياسين مرات عديدة لكنه لم يستيقظ ليلة الأمس... ولا هذا الصباح.

 

(5)

أهيم اليوم في شوارع الاسكندرية، تراودني ذكرى فسحتي المفترضة مع جدي، حكى جدي فيما حكى أننا صلينا في أبو العباس، أمرُّ بحوار المسجد في الصباح وأعود إليه في آخر النهار، أودّع ضحى ثم أعبر الطريق، يجلس عجوزٌ يشبه جدي كثيرًا قرب السلم.  أصعد عدة درجات ثم أعود إليه. يبتسم ابتسامة مثل ابتسامته ويغمض عينيه مثله، يسقيني كوب ماء مُحلى بالماورد، مثلما كانت عادة جدتي في طفولتي الأولى، تسقيني وحدي من زمزميتها المخصوصة. أردت بشدة أن أقبّل رأسه ولم أفعل. ناولته الكوب الفارغ، وهمستُ لِطَيْفِ الذكرى: «ربنا يخليك يا جدو». صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم قضيت الليلة هائمًا بامتداد الكورنيش.

 

(6)

يزورني جدي في الحلم فجأة. هادئًا ومريضًا. أساعده على صعود السلم أو إيجاد الحمام. أساعده كما اعتدتُ، ثم يختفي. يزورني مرة أخرى، يسير بجواري على درّاجته الحمراء العتيقة، نقطع الطريق من السوق إلى البيت في صمت. ثم يفاجئني جدي في رؤيا غير متوقعة بعد شهور طويلة: يضغط برفقٍ على كتفي ويقول «أنا مبسوط إنك حلو وكويس»، يلقي ببعض التعليمات للعامل في الزريبة، ثم يبتسم ابتسامة جميلة مضيئة، تفوح منه رائحة طيبة كأنما خرج لتوه من حمام دافئ وذقنه حليقة. يطبطب جدو مصطفى على ظهري، ثم أسمع نداء أبي، نلتفت سويًا فيقول «سيب جدك وتعالى لوحدك»، فأخطو تجاه أبي ثم أستيقظ.

 

(7)

جدي الحبيب،

أدرك الآن أنك وجدت الفرج القريب الذي اطلعتَ عليه حين فاضت روحك، ولا أملّ من إرسال الهدايا الصغيرة إليك كلما تيسر لي. يفاجئني الآن أن أستأنس بوجود المقابر في منتصف الطريق بين بيتنا وأي مكان في فارسكور، لم أعد أدور في الطرقات الخلفية كي أتجنب المرور بها. يسعدني ذلك بطريقة غير قابلة للفهم. يغمرني صفاء ما غامض كلما عبرت بخاطري، وكلما عبرت أنا بجوارك. يطمئنني حضورك المستمر. يطمئنني طيب ذكراك. ويطمئنني رضاك عنّا.

لكنني ما زلت تائهًا يا جدي، حين فاضت روح نينة أمينة كنت تائهًا وحبيسًا في طرقات المدينة الكبيرة البعيدة، مدينتي الصغيرة مثقلة بحزن كبير في عينيّ منذ وصلت في تلك الليلة ولم أجدها. محبّتكما ممتدة رغم الغياب، لكنني أكثر هشاشة مما يعتقد الجميع. كانت نينة تبكي حين أحملها وتقول «ربيتك وشيلتك وانت عيل عشان تشيلني لما أعجّز»، وكم آلمني بكاؤها... غيابك يا جدي مكتمل لكن غيابها منقوص. غيابها ضياع. ربما لهذا السبب أكتب عمن ضاعت مني أكثر ممن غاب. أراني ميتًا في رؤياي الأخيرة وأبحث عن جدتي وسط جيراني الموتى تحت الأرض ولا أجدها...  ما زلت تائهًا يا جدي لكنني أكتب أكثر مما مضى، أشد خيوط الحكايات وأعقدها سويًا، أشيد من الكتابة جسرًا خفيفًا وشاطئًا ناعمًا وبحرًا صغيرًا أحمله معي حيثما ذهبت. الليلة قلبي خالٍ ولهذا أكتب. أدفع عني الاكتئاب بأستار الذكرى الطيبة وبريق الأمل المعقود على مغامرة قادمة. سأشد ثوب حكايتي وأعقده في طرف الحكايات المنسية في أركان الأرض. سأهيم كما يشاء لي قلبي والقدر. سأغرس فرع التمرحنة الأخير في جيب معطفك الصوفي الذي تحبه، وسيزهر بين ضلوعي..

 

                                                     طبتَ يا جدي، وطابت روحك. 

 




                      

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


الجمعة، 3 أكتوبر 2014

مناجاة لروح طفلة سبعينية





إزيك يا نينة؟ أكيد إنتي عارفة وحشتيني أد إيه. فاكرة آخر ساعة قضيناها مع بعض؟ أكيد فاكرة. أنا لسة فاكر الصورة اللي ما اتصورنهاش مع بعض زي ما اتفقنا، دي الذكرى الوحيدة اللي بتوجعني يا نينة، لكن هاتفضل جميلة رغم الوجع، جميلة عشان تفضل صورتك في قلبي حية بتنبض، بتنور لي عتمتي في كل حين وبتفكرني إن الحياة استثناء كبير زي ما علمتيني. أنا بقيت ضعيف وغريب عن نفسي قوي من بعدك يا نينة. باتخيل دلوقتي إيدك بتلمس خدي وعينكي بتلمع بكل الحنان اللي في الدنيا وبتقولي لي ماتخافشي، وتقرئي لي مطلع سورة ياسين، وتبتسمي لي في طمأنينة.

أنا عايز أكتب عنك كتير يا نينة. وخايف على طيفك اللي في قلبي يتجمد لو صبيته جوه الكلام، زي الطينة لما تتحرق في فرن الخزف. إنتي عارفة أنا باحبك أد إيه يا نينة، ونفسي العالم كله يلمس محبتك ولو بالكلام، لكن محبتك غالية، وأيوة أنا طماع، هاحتفظ بمحبتك في قلبي عجينة طرية، والغاليين بس هما اللي يلمسوها ويلمسوه.

صحيح نسيت أقولك كل سنة وانت طيبة يا نينة قبل كل الكلام اللي فات، النهاردة بقى عندك تلات سنين ويوم. تلات سنين ويوم في الجنة بإذن الله، يا رب روحك تفضل طفلة جميلة للأبد. ويا رب تكون هدايايا المتواضعة بتوصلك سليمة خالصة لوجه الله. أنا عارف إني مقصر في حقك إنتي وجدو كتير. سلمي لي عليه وبوسيهولي من راسه. أكيد إنتي حاسة أنا بقيت ضعيف أد إيه وهمتي تايهة مني، بافتكر أد إيه طبعك كان حامي وهمتك عالية واتكسف من نفسي، وأقوم أتحرك شوية. ادعي لي ألاقي المثابرة والعزيمة اللي بادور عليهم. عارفة يعني إيه مثابرة بالانجليزي؟ "بيرسفيرنس" لسة متعلمها الشهر اللي فات. معرفش ليه الكلمة دي ليها وقع مختلف على وداني. ادعيلي ألاقيهم وأحافظ عليهم يا نينة.

أنا باعد الأيام، عمري ما نسيت يوم. وده رابع رمضان من غيرك، ومن غيرك رمضان ملهوش طعم، ولا خطوتي ع السلم بعد الفجر من غير ما اطلع لحد شقتك ليها طعم، حتى التين اللي بتحبيه طعمه اختلف من بعدك، كل تينة أكلتها بعدك باقسمها نصين وأحلم بمرة واحدة أخيرة أأكلك فيها بإيدي. ده أول رمضان من غير عمة عزيزة. يا ترى هانتجمع إزاي على الفطار من غيركم النهاردة؟ أنا باحب عماتي كلهم، لكن هاتفضل لمتنا ناقصة كتير قوي من غير روحكم الصافية ومحبتكم الفياضة... «يا حبيبي» اللي بتنطقيها بمنتهى المودة والطمأنينة اللي في الدنيا، و«يا حبيبي» اللي عمتي بتنطقها باللهفة العجيبة اللي في صوتها، محدش في الدنيا هايعوضهم تاني يا نينة.


بقالي أسبوعين بافكر في أجمل هدية أجيبها معايا النهاردة، سامحيني ملحقتش أتم حفظ سورة ياسين زي ما وعدتك، لكني هاوفي بوعدي وأصلي لك بيها ركعة في كل ليلة من العشرة الأواخر بإذن الله. وسامحيني ملقيتش شجر تمر حنة في البلد، دورت عليها، لفيت شوارع فارسكور كلها بالعجلة أدور على نسمة شايله عبير التمر حنة؛ مفيش. عجيبة إن عمري ما فكرت أسأل جدو الله يرحمه بيجيب لك غصون التمر حنة منين. أوعدك لما يبقى عندي بيت هازرعلك فيه شجرة تمر حنة، واجيبلك معايا أحلى غصن منها كل مرة.

بيقولوا إن المحبة قوية كالموت... معرفش مين اللي قال، أنا فاكر إني قرأتها مكتوبة بجير أبيض على قالب طوب لبن وسط حيطة قديمة في مكانٍ ما معدتش قادر أوصلّه في ذاكرتي. إمبارح الفجر وأنا ماشي جنبك افتكرت الجملة دي وافتكرت محبتك. محبتك مش بس قوية زي الموت، محبتك غلبت الموت وبتغلبه كل يوم. محبتك خالدة في قلوب كل الناس اللي لمستي حياتهم. محبتك خالدة بدعواتك الطيبة المدهشة. أكيد إنت عارفة أن باتكلم عن إيه، عن «ربنا يحببك في الناس ويحبب الناس فيك.» عشان بعد ما روحتي عند ربنا فضلت أسمع صوتك بيدعي لي بيها، ولقيتني باقول لنفسي نينة تستحق إن دعوتها تتحقق، على الأقل أنفِّذ منها اللي في إيدي وأحب الناس اللي تقابلني. وبقوة محبتك يا نينة فضلت ماشي في الدنيا، وبنور محبتك بالاقي طريقي لربنا كل ما أتوه. وبدفئ محبتك باقاوم البرد اللي بيضرب عظامي وأشد روحي وعودي وأتجاوز خيبات الأمل. ولاجل محبتك الغالية باكمل بعد ما اقع. ولاجل محبتك باحارب التخاذل اللي بيشدني للأرض. لاجل محبتك باتعلم وباوهبلك ثواب كل حاجة باعلمها لحد جديد. فاكرة يا نينة لما مسكت إيدك بالقلم زي الاطفال وكتبنا اسمك مع بعض أول مرة؟ «أمينة محمد شعلان.» كتبنا أ مــ ــيــ ــنــ ــة بحروف كبيرة هشة ورقيقة. وضحكنا كتير يومها وسهرتي تكتبي اسمك مرة ورا مرة... وأد إيه كنتي مبسوطة وإنتي بتمضي على الورق بدل ما تبصمي، يمكن دي أكتر لحظة أنا فخور بيها في حياتي. فخور بـ جدتي، وأمي، وبنتي الصغيرة وصاحبتي وحبيبتي الأولى.

كل سنة وانت أطيب نينة في الجنة.

17 يوليو 2014.
تلات سنين فاتوا.


                              

السبت، 27 سبتمبر 2014

Almost 23, Almost Alive



I'll be 23 in one month and 23 days, and it just doesn't feel right. It feels like sadness, loneliness and panic. I'll be 23 and I am lost in self-doubt, in demotivation and in the persistent desire to quit everything and run. A desire to pursue my culinary interests, a silent urge to run endlessly in a remote desert at sunset, to run until my soul is a little lighter, to learn swimming properly, to recite poetry in a new softer language, to fully feel Italian operas, to explore a tiny tropical island, to build a new story of fragile sea shells, blue sands, green leafs, my own blood and warm breath, of sweat and grey hairs and memories, all glued together with words; my soul ... I'll be 23 and all I want at the moment is not to live another day with that ghostly loneliness echoing against the scratched walls of my big heart. To end the silly hide and seek game that my dreams are forcefully playing with me, to achieve the joy of writing THE END at the bottom of a new book, my book, to silence all the voices inside me.

Last night a friend of mine told me to stop being so selfless in love, because every time I fell in love, I fell hard. In my new year I’ll promise myself not to fall in love again, a broken promise. Last night I wrote to her that she is my butterfly; I unconditionally admire the hidden beauty beneath her caterpillar skin, that my soul relates to hers, and it feels like belonging to her, where I was finally found … and the pile of the sad dusty letters is growing taller on the nightstand because she never gave me her address. I believe she is as lost as I am, but what are the odds of two lost young people spending their life together? Thousands of miles keep us apart, figuratively and physically, a caterpillar and sycamore seed, full of the desire to taste the sun glow, full of fear and disappointments.

“Am I right for such a relationship?
Do I deserve the glory of being a sycamore tree?”  

Five years ago I wanted to be a kid once more. Today I want to have my own kid. I can’t call it fatherhood because it's not; it’s just a weird surprisingly unexpected feeling invading my heart and fingertips. Why a 23-year young man would desire a son or a daughter? Shouldn’t I be desiring something different at this stage of my life; catching the soul of my second language, practicing saxophone, learning Russian, saving money for a trip in the Alps, working out to be in shape… anything but a son.

O’ Allah,
My life is full of your amazing grace,
And I am lost.
I know you're listening...
Grant me perseverance,
Calmness,
And love;
Your love.

السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الأحد، 20 يوليو 2014

وشوشة الجميزة في ليل ديسمبر



(1)
العاشرة إلا ربع مساءً... أصبحت الحادية عشرة والربع تقريباً... أهذي في كتابتي... صديقتي التائهة بتحكي لي عن اكتئابها الآسر وعثرتها المؤلمة، وكل ده مفيش منه قلق حقيقي، لأني عارف إن وحدتها خلف البحار في مواجهة أزمتها هي مشكلتها الأولى... ومفيش في إيدي غير إني أنصت لها، وأدعي بإخلاص.

(2)

الثانية صباحاً...

بافكر أعرض نفسي للتبني -جزئياً- أثناء إقامتي في القاهرة، خصوصاً إني طفل كبير مُسلي ومُطيع ومُرتب ومابعملش دوشة، وباعرف أطبخ كويس جداً في وقت فراغي، وبشكل عام أي أب وأم يتمنوا كائن حوزوي مكلبظ في بيتهم.

ده غير إن أنا جعان جداً، لسة مخلص فاينال بريزينتيشن لمشروع الترجمة من ساعة، وعايز أبدأ أكتب المقالة اللي هاسلمها لدكتورة الأدب البريطاني بكرة (ومفيش بيني وبين الست دي أي عمار) وأجهز للبريزينتيشن بتاعة بحث كورس الكتابة التحليلية... ليلة طويلة وبعدها يوم أطول... وكرشي الكبير مش هايسيبني في حالي النهاردة....

دكتورة الكتابة الإبداعية طلبت مني أكتب قصيدة حرة باتخيل فيها محمود درويش وهو بيقرأ... وقصيدة "درس من كاما سوطرا" عمالة تلعب في دماغي.... بسبع وسائد محشوة بالسحاب الخفيف... انتظرها! والجبال تطير في الهواء زي كوكب بندورا، والسما صافية مفيهاش ولا سحابة...

وأنام، فيدخل أبطال المسرحية اللي باترجمها، وينوروا النور ويدبدوا برجليهم على خشبة المسرح، ويزرعوا شجرة كبيرة في وسط دماغي الصغيرة... والشجرة تكبر بسرعة مدهشة وفروعها تخترق السقف وورقها المنمنم بينور الأركان المعتمة اللي فوق...

ولسبب غامض باحلم بالتلج، وإن الشجرة الصغيرة البشعة اللي تحت بلكونة أوضتي في فارسكور بقت شجرة جميز كبيرة أطول من البيت نفسه... وإن الأرض مرصوفة اسفنج والناس كلها بتتنطط في الشارع...

وأصحى من الحلم جوة الحلم، الشجرة بتغير جلدها، وعطر خشبي محير مالي الجو، عطر مدهش ريحته شبه اللمون والقرفة والمستكة والعيش السخن والكمون المحمص.... وزحليقة كبيرة مصنوعة من لحاء الشجرة بتوصل بلكونتي بالشارع... وابن عمي الصغير بيغني في البلكونة وبيطير لبيت الجيران....

وشهرزاد كورساكوف طالعة زي الحلم من قلب الشجرة، وأنا سكران م البرد ومن العطر اللي مسيطر ع الجو...
احساس مُريح، راحة آسرة شبه الطمأنينة في حضن بابا وشبه وقوف الزمن والدوبان في حضن ماما...

وعشان أحضانهم أكمل من الأحلام وأجمل منها، الإحساس ده ما بيكملش.. وأرجع أفوق، أحسس على السرير أدور على النظارة، أعد من واحد لخمسين في خيالي، وأحبس نفَسِـي ست سبع ثواني.... كده اتأكدت إني صاحي، وإني لازم أقوم. وأقوم. أرتب السرير، وبرد البلاط يلسعني. في الحقيقة ده مجرد وهم...

(3)
أقعد قدام اللابتوب، لسبب ما شبح هارد هاتفيلد مسيطر على صوابعي، مجرد ما أمدها على لوحة المفاتيح أفتكره في دور دوريان جراي، نظرته الحالمة ونص الابتسامة البريئة المرسومة على وشه، وأد إيه أنا مفتون بعزفه على البيانو... ولسبب أكتر غموضاً، نظرة عينيه المحيرة بتفكرني بنظرة حسين في الباب المفتوح... عشرين سنة فرق، وشخصيتين مختلفتين تماماً، وأشباح كتيرة ودلالات متباينة وأجندات سياسية وأحلام وأوهام وبلاوي متلتلة على دماغي، كلها بتتقابل في دماغي، وبتعمل دوشة في أكتر وقت انا محتاج فيه تركيز... وبلاوي أكتر جاية في السكة لو مبدأتش أكتب اللي الدكتورة عايزة تقراه بكرة الصبح...

(4)
وأسمع مزيكا شبه الحلم قبل ما أنام... وأسرح: