![]() |
| Hope I - Gustav Klimt |
لأن الجنينة جنة صغيرة، ولأن بابها بوابة مفتوحة على عوالم مدهشة... ولان اهلها سعداء وحيواناتها تتكلم وأشجارها سخية... ولأن الروح تلجأ إليها كلما أصابتها بعض العتمة...
الخميس، 14 يوليو 2016
ذاكرتي المزيفة، أو صوت بيبه
الخميس، 25 يونيو 2015
ملح الكتابة ونورها
وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة وما بعدها؛ ربما حضنٌ طال انتظاره.
الأربعاء، 25 مارس 2015
التمرحنة لا يزهر إلا بين ضلوعه
(1)
متى تطيبُ روحي يا ربي.
ها انا أرقدُ/
أصابعي المرتخية معقودة حول أوردتي.
ولا أكتب.
أصابعي معقودة ولا أكتب. أصابعي
معقودة حول أوردتي فلا تجري الحياة في جسدي كما يجب. وأصابعي مرتخية،
كلما استندتُ عليها اصطدمتُ بالأرض. والأرض تشدني طوال الوقت. وجواز سفري أبيض
ينتظر الاحتمالات كلها، لكنه بعيد عن أصابعي. نسيت أين وضعته. في الحقيقة نسيت
أشياء كثيرة: في أي جيب يرقد، وفي أي بلدة سقط مني قلبي الأخضر، وكم امتدت جذوره
البيضاء الطرية خلفي. نسيت تاريخ ميلاد أمي؛ في الحقيقة لم أحفظه أبدًا. ولم أعرف
صوت جدي الأول، ولم يتكلم الثاني كثيرًا حتى آلف صوته وأحفظه. رحل جدي ثم ندمت على
كل المرات التي قطعت فيها الطريق مسرعًا حيث يجلس وتظاهرت أنني لا أسمع ندائه. كنت
غضًا لم أعرف الموت عن قرب، ولم أتوقعه. ثم هبط الموت على بعد إصبعين من قلبي.
(2)
هبط الموت في حجر أبي حيث يرتاح
جدي. غلّف الموت صوت جدي في أشرطة بيضاء. قبّلتُ رأسه ثم أحكمتُ عقد الأشرطة حول
كلماته القليلة وندائه من فوق مقعده على ناصية القهوة ذات الجدران الخضراء. أحمل
ماء الغسل الأخير في دلو أبيض، أقطع صالة البيت المكشوفة من أي غطاء في مدارات
بيضاوية، ولا أخطو على نفس الموضع مرتين. تركتُ جدي هادئًا ولينًا ووديعًا داخل
شرنقة موته البيضاء ورحت أركض عبر طرقات مدينتي الصغيرة. نسيتُ ما الذي أركض خلفه،
لكنني ركضتُ أكثر. نعم، كنت أبحث عن مفتاح القبر. في مدينتي الصغيرة يخبؤون الموتى
خلف جدران عديدة. ركضتُ ولم أجد المفتاح. كانت الشمس تركض مسرعة منذ الصباح، بينما
جدي يطفو داخل شرنقة موته البيضاء فوق مئات الأكتاف والأقدام مسرعًا نحو مسجد
المدينة الجامع. تسرع الأقدام نحو بيت الرب، وتسرع قدماي نحو باب القبر المغلق خلف
سور حصين. أكسر على الموت بابه المغلق. أضع أصابعي العشرة في عينه اليسرى وأستخرج
حدقتها الرخامية الباردة. تهاويتُ على الأرض وتركتُها ترتاح في حجري. سالت حشرات
سوداء من تجويف العين، وفاض جو حارٌ وقابض في فضاء المكان. جلستُ ألهثُ من الحزن
الراقد فوق أكتافي منذ ليلة الأمس. زحف عم شحاتة داخل عين القبر وأزاح آخر الموتى
المرتاحين على سرير الرمل، سَمعتُ العظام تتعثر نحو زاوية القبر المظلمة، ثم تتكوم
ببطء فوق جيرانها. قبور مدينتي الصغيرة لا تعجبني. أعرف أنني لن أرتاح إن جلست
أنتظر نهاية العالم محبوسًا داخل عين مصمتة من القرميد الأحمر. فتحتُ النوافذ
ليغسل الهواء جو المكان. يفيض النور العسلي داخل الغرفة الحليبية. ليلة الأمس
أجلستُ جدي إلى جواري على الطاولة الزرقاء، طلبَ كوب حليب بالعسل ولم يكمله. قال
«غطّيني»، فوضعته في سريره، أرخيت شاله المعقود تحت ذقنه، فردت البطانية الحمراء
الخشنة فوق جسده الممدد، وقبّلت رأسه.
(3)
وضع جدي رأسه في حجر أبي، كرر الشهادتين ثم صمتَ قليلًا. نظر إلى السماء، كاد يبتسم ثم.... «يا فرج الله يا قريب يا رب!» قالها ثم نزفت أنفه قطرة دمٍ واحدة ومالت رأسه على حجر أبي. لا أذكر ماذا كتبتُ عن جدي بعدها في دفتري الأخضر القديم، أذكر أنني عدت إلى بيتنا بعد غياب شهر أو يزيد، نسيت حقيبتي مفتوحة بجواري وجلست آكل. عاد أبي إلى البيت في منتصف النهار على غير عادته وجلس بجواري، تناول دفتري وقرأ ما قرأ ثم بكى وضمني إلى صدره في حضن طويل. لم أتجرأ على الكتابة بعدها لشهور طويلة.
حين رجعت إلى الكتابة لم أجد جدي
حاضرًا. سنوات ثلاثة لا تصل إليه كتابتي. ثم يجد هو طريقه إلى دفتري حين جلست ليلة
الأمس أكتب عجزي عن الكتابة. ولست أدري لمَ كتبت عن حضور الموت بدل الحياة. جدي
الذي عرفته لا يشبه حكايات الآخرين عنه. طفل ثمانيني هادئ ومنكمش. يجلس على ناصية
القهوة المواجهة لسور المقابر. يسير بهدوء عبر شوارع المدينة التي لم تتغير في
عينيه منذ ثلاثين عامًا. يصف جدي معالم مدينة لا وجود لها. يسأل عن الساعة عند
انتهاء النهار مراتٍ عديدة، ينسى الإجابة ويعيدُ السؤال وأتعلم كيف أجيبه دون أن
أثير حيرته. يسألني كل ليلة عن أم كلثوم، هل تغني الليلة؟ يتأكد «هي الست لسة
عايشة؟» وأعيد الإجابة كل ليلة دون ملل. يرفض تقبل موتها فأحكي له التواريخ
والتفاصيل الصغيرة، يقول «تؤ تؤ تؤ، ما تفوّلش ع الست!» ثم يتقبل الحقيقة ويدعو
لها بالرحمة، ثم يعيد السؤال في الليلة التالية. يبتسم جدي وهو يحكي «أحمد ابن
عادل ربنا يبارك فيه فسّحني إمبارح في اسكندرية». لم أكن عرفت الطريق إلى
الاسكندرية حينها، لكنني لا أنكر عليه الرحلة ولا الرضا. «قول لهم يا أحمد!» فأقول
«حصل»، ويبتسم الآخرون في تواطؤ. يرفض الطفل الثمانيني تناول أدويته لكنني أقنعه
بالحيلة، يرفض الجلوس في البيت وسط النهار لكنني أقنعه بحيلة أخرى، أتفق مع صبي
القهوة كي لا يغير له حجر الشيشة أكثر من مرة واحدة، يجلس جدي ويطلب لي كوب ينسون
وحين يرفض صبي القهوة تغيير حجر الشيشة يلتفت إليّ جدي قائلًا «تصدق إنت ابن كلب!»
ويضحك في استسلام عابث، ويقول «قوم روّحني». نتمشى سويًا، يقرأ جدي الفاتحة ويدعو
لأسلافه الراقدين في مقبرة العائلة على ناصية الطريق إلى بيتنا.
(4)
أجلس وحدي في غرفة المقبرة، يطفو
جدي فوق مئات الأكتاف والأقدام على الطريق المنحدر نحو المقابر، تمتلئ الغرفة عليّ
فجأة، أحمل جدي في شرنقة موته البيضاء بين يديّ، يبدو أخفّ من كل الأشياء، أضمه
إلى صدري لحظة أطول مما يجب، أضمه إلى صدري بقوةٍ فينغزني أحدهم كي أفلته... يريحه
عم شحاتة على سرير الرمل، ويُرخي الأشرطة التي أحكمتُ عقدها منذ ساعات. يعيد عم
شحاتة حدقة عين القبر إلى مكانها ويعالجها بالأسمنت الأبيض والرمل. عشرات الأيدي
تربّت على كتفي ثم ترحل... يفيض الهواء باردًا، يهز وحدتي الجديدة برفق، وأتلو ما
تيسر لي من سورة ياسين كما يطيب لجدتي. كنا نجلس حول جدي منذ شهورٍ طويلة، ظنّ أنه
سيموت وصدقناه، غامت عيناه وبردت أطرافه وجلسنا جميعًا نبكي في صمت، ثم دخلت جدتي
إلى حجرته تزحف على يديها ورجليها، جلستْ بجوار رأسه على الكنبة الحمراء العتيقة
وقرأت فواتيح سورة ياسين بسرعة مدهشة فغرقنا جميعًا في ضحك هستيري وسط بكائنا، ثم
استيقظ جدي وعاد من موته المنتظر. راقبته طوال ليلة الأمس منتظرًا أن يستيقظ مثل
المرات الماضية لكنه لم يفعل. قرأت سورة ياسين مرات عديدة لكنه لم يستيقظ ليلة
الأمس... ولا هذا الصباح.
(5)
أهيم اليوم في شوارع الاسكندرية،
تراودني ذكرى فسحتي المفترضة مع جدي، حكى جدي فيما حكى أننا صلينا في أبو العباس،
أمرُّ بحوار المسجد في الصباح وأعود إليه في آخر النهار، أودّع ضحى ثم أعبر
الطريق، يجلس عجوزٌ يشبه جدي كثيرًا قرب السلم. أصعد عدة درجات ثم أعود
إليه. يبتسم ابتسامة مثل ابتسامته ويغمض عينيه مثله، يسقيني كوب ماء مُحلى بالماورد،
مثلما كانت عادة جدتي في طفولتي الأولى، تسقيني وحدي من زمزميتها المخصوصة. أردت
بشدة أن أقبّل رأسه ولم أفعل. ناولته الكوب الفارغ، وهمستُ لِطَيْفِ الذكرى: «ربنا
يخليك يا جدو». صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم قضيت الليلة هائمًا بامتداد
الكورنيش.
(6)
يزورني جدي في الحلم فجأة. هادئًا ومريضًا.
أساعده على صعود السلم أو إيجاد الحمام. أساعده كما اعتدتُ، ثم يختفي. يزورني مرة
أخرى، يسير بجواري على درّاجته الحمراء العتيقة، نقطع الطريق من السوق إلى البيت
في صمت. ثم يفاجئني جدي في رؤيا غير متوقعة بعد شهور طويلة: يضغط برفقٍ على كتفي
ويقول «أنا مبسوط إنك حلو وكويس»، يلقي ببعض التعليمات للعامل في الزريبة، ثم
يبتسم ابتسامة جميلة مضيئة، تفوح منه رائحة طيبة كأنما خرج لتوه من حمام دافئ
وذقنه حليقة. يطبطب جدو مصطفى على ظهري، ثم أسمع نداء أبي، نلتفت سويًا فيقول «سيب
جدك وتعالى لوحدك»، فأخطو تجاه أبي ثم أستيقظ.
(7)
جدي الحبيب،
أدرك الآن أنك وجدت الفرج القريب
الذي اطلعتَ عليه حين فاضت روحك، ولا أملّ من إرسال الهدايا الصغيرة إليك كلما
تيسر لي. يفاجئني الآن أن أستأنس بوجود المقابر في منتصف الطريق بين بيتنا وأي
مكان في فارسكور، لم أعد أدور في الطرقات الخلفية كي أتجنب المرور بها. يسعدني ذلك
بطريقة غير قابلة للفهم. يغمرني صفاء ما غامض كلما عبرت بخاطري، وكلما عبرت أنا
بجوارك. يطمئنني حضورك المستمر. يطمئنني طيب ذكراك. ويطمئنني رضاك عنّا.
لكنني ما زلت تائهًا يا جدي، حين
فاضت روح نينة أمينة كنت تائهًا وحبيسًا في طرقات المدينة الكبيرة البعيدة، مدينتي
الصغيرة مثقلة بحزن كبير في عينيّ منذ وصلت في تلك الليلة ولم أجدها. محبّتكما
ممتدة رغم الغياب، لكنني أكثر هشاشة مما يعتقد الجميع. كانت نينة تبكي حين أحملها
وتقول «ربيتك وشيلتك وانت عيل عشان تشيلني لما أعجّز»، وكم آلمني بكاؤها... غيابك يا
جدي مكتمل لكن غيابها منقوص. غيابها ضياع. ربما لهذا السبب أكتب عمن ضاعت مني أكثر
ممن غاب. أراني ميتًا في رؤياي الأخيرة وأبحث عن جدتي وسط جيراني الموتى تحت الأرض
ولا أجدها... ما زلت تائهًا يا جدي لكنني أكتب أكثر مما مضى، أشد خيوط
الحكايات وأعقدها سويًا، أشيد من الكتابة جسرًا خفيفًا وشاطئًا ناعمًا وبحرًا صغيرًا
أحمله معي حيثما ذهبت. الليلة قلبي خالٍ ولهذا أكتب. أدفع عني الاكتئاب بأستار
الذكرى الطيبة وبريق الأمل المعقود على مغامرة قادمة. سأشد ثوب حكايتي وأعقده
في طرف الحكايات المنسية في أركان الأرض. سأهيم كما يشاء لي قلبي والقدر. سأغرس
فرع التمرحنة الأخير في جيب معطفك الصوفي الذي تحبه، وسيزهر بين ضلوعي..
طبتَ يا جدي، وطابت روحك.
السبت، 10 يناير 2015
محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..
وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ....
أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟
وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..
عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.
ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.
الاثنين، 29 ديسمبر 2014
على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة
الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة
التي لا تفيض.
(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار،
ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في
وجوه الأغراب. وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار
بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل
الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط
عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو
امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية
الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من
المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة.
أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي
القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان
الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد
كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين
أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له،
أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير
لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض. بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول
"طبعاً."
(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار،
وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد
عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ
المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع
السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري
القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني
كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي
للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف
البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني
بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف
غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري
الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ
أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح
خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة
قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو
الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة
وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن
أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور
العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي
عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ
يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:
«أريد أن
أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام»
ابتسمي عزيزتي.
---
*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام»
الجمعة، 3 أكتوبر 2014
مناجاة لروح طفلة سبعينية
السبت، 27 سبتمبر 2014
Almost 23, Almost Alive
السبت، 16 أغسطس 2014
دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر
-1-
الأحد، 20 يوليو 2014
وشوشة الجميزة في ليل ديسمبر
العاشرة إلا ربع مساءً... أصبحت الحادية عشرة والربع تقريباً... أهذي في كتابتي... صديقتي التائهة بتحكي لي عن اكتئابها الآسر وعثرتها المؤلمة، وكل ده مفيش منه قلق حقيقي، لأني عارف إن وحدتها خلف البحار في مواجهة أزمتها هي مشكلتها الأولى... ومفيش في إيدي غير إني أنصت لها، وأدعي بإخلاص.
بافكر أعرض نفسي للتبني -جزئياً- أثناء إقامتي في القاهرة، خصوصاً إني طفل كبير مُسلي ومُطيع ومُرتب ومابعملش دوشة، وباعرف أطبخ كويس جداً في وقت فراغي، وبشكل عام أي أب وأم يتمنوا كائن حوزوي مكلبظ في بيتهم.
(3)
(4)











