‏إظهار الرسائل ذات التسميات شفاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شفاء. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

متى أخترق قشرة الصمت وأمضي؟




لكسر روتين الصمت الذي أفرضه على نفسي أكتب. أكتب أنني محاصرٌ في جسدي ووحدتي، وأن تاريخ اليوم يزعجني ويعلمني أنني سأكمل عامي الرابع والعشرين بعد أسابيع أربعة، وأنني لست مستعدًا لكل هذا الركض والاستنفاذ. لكسر روتين الصمت أتكور في سريري بعد التاسعة صباحًا، تائهًا بين النوم واليقظة، أتكور في سريري وأكتب بين سطرين في خيالي كيف أنني لا أكتب منذ أيام طويلة، لا أتكلم ولا أقرأ، وأنني أبغض هذه الحالة وأبغض غضبي على نفسي. أتكور في سريري وأقرر أن أغيب في عالم الأحلام ساعة، أعلم أنني لم أتناول دواء الاكتئاب منذ أيام ولذا أنا أقرب للأحلام المتماسكة؛ في الحلم الأول تسقط صديقتي في بيتنا، ترتدي تنورة مزينة بالزهور وتدور مع أصدقائنا وتحكي عن رجل مجهولٍ أحبته. في الحلم الثاني تقرأ السنافر مقاطع متفرقة من كتاب مجهول لتشارلز ديكنز، ثم يسبحون واحدًا بعد الآخر على حوائط برتقالية يرسمون عليها أمواجًا زرقاء حليبية وقططًا مسحورة وزهورًا ضخمة، ويغني كل منهم ما حفظه من كتابة ديكنز. أسقط في غرفة حمام مرصوفة بسيراميك لبنيٍّ وأنهمك في الكتابة على جسدي العاري، أكتب بحبر أسود كثيف أبياتًا من مترجمةً من شعر جون دن، وأكتب كل كلمة تمر بخاطري. وأبكي، ويسيل الحبر مثل النزف على أصابعي وفخذاي. أستيقظ، أجلس القرفصاء ساعة، مجرة هائلة من الأفكار السوداء والبيضاء تتلاطم في داخلي. أتوضأ ثلاث مرات ولا أصلي. يتوقف الزمن في غرفتي وتنقطع الأصوات عني. ثم أصلي العصر أخيرًا وأدخل في حذائي الرياضي وأقطع الطريق واقفًا من البيت إلى وسط البلد. يبدو المترو خاليًا وصامتًا على غير عادته، أصعد درجات السلم، أجلس على كرسي المكتب تحت الضوء الأبيض الساطع، تتلاطم أذرع المجرة في داخلي مرة أخرى وأقرر أن أترك عملي بعد أسابيع من التردد والحيرة... في حقيقة الأمر لا أريد الغرق في غياهب الكومفورت زون مرة أخرى، لكنني، في هذه اللحظة لا أملك القدرة على المعافرة خارجها. سأترك العمل الذي يتحداني وأبحث عن فرصة على حدود الكومفورت زون اللعينة، أتعلق بقارب صغير وأدفع نفسي خطوة متناهية الصغر خارج حدودها. أجلس تحت الأضواء البيضاء الساطعة، أقرر أن أتخلى عمّا يستهلك ما تبقى من طاقتي، ويحزنني التخلي رغم فائدته، وأكتب أكثر.

ثم ينقطع سيل الكتابة...

عكس كل ما أريده لنفسي ينقطع سيل الكتابة. كنت اجلس أمام أستاذتي منذ شهر وأحكي لها أنني الآن أعافر للخروج من حيث تحدث لي الكتابة إلى حيث آتي أنا بفعل الكتابة عن عمدٍ ومثابرة. الآن ألضمُ الخيط المقطوع وأخطو خطوة صغيرة نحو ما أريده لنفسي. أسأل نفسي؛ لماذا أخاف من الأشياء الجميلة التي أريدها، لماذا تخيفني وأهرب منها إلى لامنطقية الكآبة والعجز. الآن أكتب. وأبكي. وأؤمن بحكايات الجنيات أكثر. وأبكي وينزف الحبر من رحمي المتخيلة، التي تطاردني في الأحلام. ولست أدري لم اخترت أن تكون الرحم مؤنثة. أبكي وأنزف حبرًا وأترك عملي وأطارد ستائر الحيرة وغموض ما قد يأتي. وأعلم انني محاصرٌ في الوحدة وفي الكتابة التي لا تولد. عكس كل ما أريده لنفسي ينقطع سيل الكتابة، وتنقطع المثابرة فأترك عملي الذي يتحداني، وأهرب. آتي الفعل الأكثر بغضًا إلى قلبي وروحي. ربما أزعم عكس الهرب خارج هذه السطور، لكن هنا، وسط السطور التي أغزلها من ثوب روحي تحت أضواء المكتب الساطعة لا يمكنن أن أزعم غير الحقيقة. أنا أهرب. ويبدو الهرب مثل رفاهية أسرقها وسط وقت عصيب أعافر فيه لأخطو كل خطوة. ماذا بعدُ؟ الحقيقة التي أهرب منها هي أنني أهرب من المسؤولية. أيقظت كلمات يسرا كل صدى النداءات البعيدة التي أهرب منها هي أيضًا. كنت أحكي لسلاف عن أعتقادي أنني لا أستحق الخير الذي مُنحتُه، فتقول هي فلتعمل لأجله حتى تستحقه. وتقول لي إسراء «هو إحنا مش هانبطل نجري من الحاجات اللي بنحبها وبتختارنا عشان إحنا أكشوالي مهابيل وعبابيط ومقتنعين إننا منستحقش الحاجات دي؟»

نعم، هربت من فرصة السفر إلى أمريكا حين اختارتني الفرصة، ثم هربت من فرصة إتمام دراستي في سنة حين اختارتني الفرصة الثانية لثاني مرة، ما كنت لأصدق ولن أصدق أن تأتيني فرصة ثانية مرتين، هذه هي خطيئتي؛ الكفر بأن المعجزات قد تحدث لي أنا أيضًا، والهروب منها. خطيئتي العظيمة هي الهرب. الآن أغرق في وحل العجز والحيرة، وأرى عامي الرابع والعشرين يتم وأنا عالق منذ عيد ميلادي الماضي في مكاني لا أتقدم. هل أنفجر مثل البركان؟ هل أنفجر ثم أفيض مثل الحمم السائلة؟ أم أنني في الحقيقة أذوي وأذوب في وحل العجز والحيرة؟


ثم تخيفني كتابتي ويخيفني الاعتراف بهروبي وتقصيري. يخيفني كشف كل هذه الهشاشة والحيرة. أتخيل نفسي فرخًا محبوسًا في بيضة صلبة، أنقر قلبها بحروف صغيرة صلدة، أطرق رأسي حتى تنزف، أهتز، أصرخ، أبكي في عجز. أتخيل نفسي مطرًا محبوسًا في غيمة، تحملني الغيمة من وطن إلى آخر على غير إرادةٍ مني. تخيفني كتابتي هذه، ويخيفني الاختيار، وانتهاء الدرب، وجفاف الكتابة...

الأربعاء، 25 مارس 2015

التمرحنة لا يزهر إلا بين ضلوعه





 

(1)

متى تطيبُ روحي يا ربي.

 

ها انا أرقدُ/

أصابعي المرتخية معقودة حول أوردتي. ولا أكتب.

أصابعي معقودة ولا أكتب. أصابعي معقودة حول أوردتي فلا تجري الحياة في جسدي كما يجب. وأصابعي مرتخية، كلما استندتُ عليها اصطدمتُ بالأرض. والأرض تشدني طوال الوقت. وجواز سفري أبيض ينتظر الاحتمالات كلها، لكنه بعيد عن أصابعي. نسيت أين وضعته. في الحقيقة نسيت أشياء كثيرة: في أي جيب يرقد، وفي أي بلدة سقط مني قلبي الأخضر، وكم امتدت جذوره البيضاء الطرية خلفي. نسيت تاريخ ميلاد أمي؛ في الحقيقة لم أحفظه أبدًا. ولم أعرف صوت جدي الأول، ولم يتكلم الثاني كثيرًا حتى آلف صوته وأحفظه. رحل جدي ثم ندمت على كل المرات التي قطعت فيها الطريق مسرعًا حيث يجلس وتظاهرت أنني لا أسمع ندائه. كنت غضًا لم أعرف الموت عن قرب، ولم أتوقعه. ثم هبط الموت على بعد إصبعين من قلبي.

 

(2)

هبط الموت في حجر أبي حيث يرتاح جدي. غلّف الموت صوت جدي في أشرطة بيضاء. قبّلتُ رأسه ثم أحكمتُ عقد الأشرطة حول كلماته القليلة وندائه من فوق مقعده على ناصية القهوة ذات الجدران الخضراء. أحمل ماء الغسل الأخير في دلو أبيض، أقطع صالة البيت المكشوفة من أي غطاء في مدارات بيضاوية، ولا أخطو على نفس الموضع مرتين. تركتُ جدي هادئًا ولينًا ووديعًا داخل شرنقة موته البيضاء ورحت أركض عبر طرقات مدينتي الصغيرة. نسيتُ ما الذي أركض خلفه، لكنني ركضتُ أكثر. نعم، كنت أبحث عن مفتاح القبر. في مدينتي الصغيرة يخبؤون الموتى خلف جدران عديدة. ركضتُ ولم أجد المفتاح. كانت الشمس تركض مسرعة منذ الصباح، بينما جدي يطفو داخل شرنقة موته البيضاء فوق مئات الأكتاف والأقدام مسرعًا نحو مسجد المدينة الجامع. تسرع الأقدام نحو بيت الرب، وتسرع قدماي نحو باب القبر المغلق خلف سور حصين. أكسر على الموت بابه المغلق. أضع أصابعي العشرة في عينه اليسرى وأستخرج حدقتها الرخامية الباردة. تهاويتُ على الأرض وتركتُها ترتاح في حجري. سالت حشرات سوداء من تجويف العين، وفاض جو حارٌ وقابض في فضاء المكان. جلستُ ألهثُ من الحزن الراقد فوق أكتافي منذ ليلة الأمس. زحف عم شحاتة داخل عين القبر وأزاح آخر الموتى المرتاحين على سرير الرمل، سَمعتُ العظام تتعثر نحو زاوية القبر المظلمة، ثم تتكوم ببطء فوق جيرانها. قبور مدينتي الصغيرة لا تعجبني. أعرف أنني لن أرتاح إن جلست أنتظر نهاية العالم محبوسًا داخل عين مصمتة من القرميد الأحمر. فتحتُ النوافذ ليغسل الهواء جو المكان. يفيض النور العسلي داخل الغرفة الحليبية. ليلة الأمس أجلستُ جدي إلى جواري على الطاولة الزرقاء، طلبَ كوب حليب بالعسل ولم يكمله. قال «غطّيني»، فوضعته في سريره، أرخيت شاله المعقود تحت ذقنه، فردت البطانية الحمراء الخشنة فوق جسده الممدد، وقبّلت رأسه.

 

(3)

وضع جدي رأسه في حجر أبي، كرر الشهادتين ثم صمتَ قليلًا. نظر إلى السماء، كاد يبتسم ثم.... «يا فرج الله يا قريب يا رب!» قالها ثم نزفت أنفه قطرة دمٍ واحدة ومالت رأسه على حجر أبي. لا أذكر ماذا كتبتُ عن جدي بعدها في دفتري الأخضر القديم، أذكر أنني عدت إلى بيتنا بعد غياب شهر أو يزيد، نسيت حقيبتي مفتوحة بجواري وجلست آكل. عاد أبي إلى البيت في منتصف النهار على غير عادته وجلس بجواري، تناول دفتري وقرأ ما قرأ ثم بكى وضمني إلى صدره في حضن طويل. لم أتجرأ على الكتابة بعدها لشهور طويلة. 

حين رجعت إلى الكتابة لم أجد جدي حاضرًا. سنوات ثلاثة لا تصل إليه كتابتي. ثم يجد هو طريقه إلى دفتري حين جلست ليلة الأمس أكتب عجزي عن الكتابة. ولست أدري لمَ كتبت عن حضور الموت بدل الحياة. جدي الذي عرفته لا يشبه حكايات الآخرين عنه. طفل ثمانيني هادئ ومنكمش. يجلس على ناصية القهوة المواجهة لسور المقابر. يسير بهدوء عبر شوارع المدينة التي لم تتغير في عينيه منذ ثلاثين عامًا. يصف جدي معالم مدينة لا وجود لها. يسأل عن الساعة عند انتهاء النهار مراتٍ عديدة، ينسى الإجابة ويعيدُ السؤال وأتعلم كيف أجيبه دون أن أثير حيرته. يسألني كل ليلة عن أم كلثوم، هل تغني الليلة؟ يتأكد «هي الست لسة عايشة؟» وأعيد الإجابة كل ليلة دون ملل. يرفض تقبل موتها فأحكي له التواريخ والتفاصيل الصغيرة، يقول «تؤ تؤ تؤ، ما تفوّلش ع الست!» ثم يتقبل الحقيقة ويدعو لها بالرحمة، ثم يعيد السؤال في الليلة التالية. يبتسم جدي وهو يحكي «أحمد ابن عادل ربنا يبارك فيه فسّحني إمبارح في اسكندرية». لم أكن عرفت الطريق إلى الاسكندرية حينها، لكنني لا أنكر عليه الرحلة ولا الرضا. «قول لهم يا أحمد!» فأقول «حصل»، ويبتسم الآخرون في تواطؤ. يرفض الطفل الثمانيني تناول أدويته لكنني أقنعه بالحيلة، يرفض الجلوس في البيت وسط النهار لكنني أقنعه بحيلة أخرى، أتفق مع صبي القهوة كي لا يغير له حجر الشيشة أكثر من مرة واحدة، يجلس جدي ويطلب لي كوب ينسون وحين يرفض صبي القهوة تغيير حجر الشيشة يلتفت إليّ جدي قائلًا «تصدق إنت ابن كلب!» ويضحك في استسلام عابث، ويقول «قوم روّحني». نتمشى سويًا، يقرأ جدي الفاتحة ويدعو لأسلافه الراقدين في مقبرة العائلة على ناصية الطريق إلى بيتنا.

 

(4)

أجلس وحدي في غرفة المقبرة، يطفو جدي فوق مئات الأكتاف والأقدام على الطريق المنحدر نحو المقابر، تمتلئ الغرفة عليّ فجأة، أحمل جدي في شرنقة موته البيضاء بين يديّ، يبدو أخفّ من كل الأشياء، أضمه إلى صدري لحظة أطول مما يجب، أضمه إلى صدري بقوةٍ فينغزني أحدهم كي أفلته... يريحه عم شحاتة على سرير الرمل، ويُرخي الأشرطة التي أحكمتُ عقدها منذ ساعات. يعيد عم شحاتة حدقة عين القبر إلى مكانها ويعالجها بالأسمنت الأبيض والرمل. عشرات الأيدي تربّت على كتفي ثم ترحل... يفيض الهواء باردًا، يهز وحدتي الجديدة برفق، وأتلو ما تيسر لي من سورة ياسين كما يطيب لجدتي. كنا نجلس حول جدي منذ شهورٍ طويلة، ظنّ أنه سيموت وصدقناه، غامت عيناه وبردت أطرافه وجلسنا جميعًا نبكي في صمت، ثم دخلت جدتي إلى حجرته تزحف على يديها ورجليها، جلستْ بجوار رأسه على الكنبة الحمراء العتيقة وقرأت فواتيح سورة ياسين بسرعة مدهشة فغرقنا جميعًا في ضحك هستيري وسط بكائنا، ثم استيقظ جدي وعاد من موته المنتظر. راقبته طوال ليلة الأمس منتظرًا أن يستيقظ مثل المرات الماضية لكنه لم يفعل. قرأت سورة ياسين مرات عديدة لكنه لم يستيقظ ليلة الأمس... ولا هذا الصباح.

 

(5)

أهيم اليوم في شوارع الاسكندرية، تراودني ذكرى فسحتي المفترضة مع جدي، حكى جدي فيما حكى أننا صلينا في أبو العباس، أمرُّ بحوار المسجد في الصباح وأعود إليه في آخر النهار، أودّع ضحى ثم أعبر الطريق، يجلس عجوزٌ يشبه جدي كثيرًا قرب السلم.  أصعد عدة درجات ثم أعود إليه. يبتسم ابتسامة مثل ابتسامته ويغمض عينيه مثله، يسقيني كوب ماء مُحلى بالماورد، مثلما كانت عادة جدتي في طفولتي الأولى، تسقيني وحدي من زمزميتها المخصوصة. أردت بشدة أن أقبّل رأسه ولم أفعل. ناولته الكوب الفارغ، وهمستُ لِطَيْفِ الذكرى: «ربنا يخليك يا جدو». صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم قضيت الليلة هائمًا بامتداد الكورنيش.

 

(6)

يزورني جدي في الحلم فجأة. هادئًا ومريضًا. أساعده على صعود السلم أو إيجاد الحمام. أساعده كما اعتدتُ، ثم يختفي. يزورني مرة أخرى، يسير بجواري على درّاجته الحمراء العتيقة، نقطع الطريق من السوق إلى البيت في صمت. ثم يفاجئني جدي في رؤيا غير متوقعة بعد شهور طويلة: يضغط برفقٍ على كتفي ويقول «أنا مبسوط إنك حلو وكويس»، يلقي ببعض التعليمات للعامل في الزريبة، ثم يبتسم ابتسامة جميلة مضيئة، تفوح منه رائحة طيبة كأنما خرج لتوه من حمام دافئ وذقنه حليقة. يطبطب جدو مصطفى على ظهري، ثم أسمع نداء أبي، نلتفت سويًا فيقول «سيب جدك وتعالى لوحدك»، فأخطو تجاه أبي ثم أستيقظ.

 

(7)

جدي الحبيب،

أدرك الآن أنك وجدت الفرج القريب الذي اطلعتَ عليه حين فاضت روحك، ولا أملّ من إرسال الهدايا الصغيرة إليك كلما تيسر لي. يفاجئني الآن أن أستأنس بوجود المقابر في منتصف الطريق بين بيتنا وأي مكان في فارسكور، لم أعد أدور في الطرقات الخلفية كي أتجنب المرور بها. يسعدني ذلك بطريقة غير قابلة للفهم. يغمرني صفاء ما غامض كلما عبرت بخاطري، وكلما عبرت أنا بجوارك. يطمئنني حضورك المستمر. يطمئنني طيب ذكراك. ويطمئنني رضاك عنّا.

لكنني ما زلت تائهًا يا جدي، حين فاضت روح نينة أمينة كنت تائهًا وحبيسًا في طرقات المدينة الكبيرة البعيدة، مدينتي الصغيرة مثقلة بحزن كبير في عينيّ منذ وصلت في تلك الليلة ولم أجدها. محبّتكما ممتدة رغم الغياب، لكنني أكثر هشاشة مما يعتقد الجميع. كانت نينة تبكي حين أحملها وتقول «ربيتك وشيلتك وانت عيل عشان تشيلني لما أعجّز»، وكم آلمني بكاؤها... غيابك يا جدي مكتمل لكن غيابها منقوص. غيابها ضياع. ربما لهذا السبب أكتب عمن ضاعت مني أكثر ممن غاب. أراني ميتًا في رؤياي الأخيرة وأبحث عن جدتي وسط جيراني الموتى تحت الأرض ولا أجدها...  ما زلت تائهًا يا جدي لكنني أكتب أكثر مما مضى، أشد خيوط الحكايات وأعقدها سويًا، أشيد من الكتابة جسرًا خفيفًا وشاطئًا ناعمًا وبحرًا صغيرًا أحمله معي حيثما ذهبت. الليلة قلبي خالٍ ولهذا أكتب. أدفع عني الاكتئاب بأستار الذكرى الطيبة وبريق الأمل المعقود على مغامرة قادمة. سأشد ثوب حكايتي وأعقده في طرف الحكايات المنسية في أركان الأرض. سأهيم كما يشاء لي قلبي والقدر. سأغرس فرع التمرحنة الأخير في جيب معطفك الصوفي الذي تحبه، وسيزهر بين ضلوعي..

 

                                                     طبتَ يا جدي، وطابت روحك. 

 




                      

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

السبت، 27 سبتمبر 2014

Almost 23, Almost Alive



I'll be 23 in one month and 23 days, and it just doesn't feel right. It feels like sadness, loneliness and panic. I'll be 23 and I am lost in self-doubt, in demotivation and in the persistent desire to quit everything and run. A desire to pursue my culinary interests, a silent urge to run endlessly in a remote desert at sunset, to run until my soul is a little lighter, to learn swimming properly, to recite poetry in a new softer language, to fully feel Italian operas, to explore a tiny tropical island, to build a new story of fragile sea shells, blue sands, green leafs, my own blood and warm breath, of sweat and grey hairs and memories, all glued together with words; my soul ... I'll be 23 and all I want at the moment is not to live another day with that ghostly loneliness echoing against the scratched walls of my big heart. To end the silly hide and seek game that my dreams are forcefully playing with me, to achieve the joy of writing THE END at the bottom of a new book, my book, to silence all the voices inside me.

Last night a friend of mine told me to stop being so selfless in love, because every time I fell in love, I fell hard. In my new year I’ll promise myself not to fall in love again, a broken promise. Last night I wrote to her that she is my butterfly; I unconditionally admire the hidden beauty beneath her caterpillar skin, that my soul relates to hers, and it feels like belonging to her, where I was finally found … and the pile of the sad dusty letters is growing taller on the nightstand because she never gave me her address. I believe she is as lost as I am, but what are the odds of two lost young people spending their life together? Thousands of miles keep us apart, figuratively and physically, a caterpillar and sycamore seed, full of the desire to taste the sun glow, full of fear and disappointments.

“Am I right for such a relationship?
Do I deserve the glory of being a sycamore tree?”  

Five years ago I wanted to be a kid once more. Today I want to have my own kid. I can’t call it fatherhood because it's not; it’s just a weird surprisingly unexpected feeling invading my heart and fingertips. Why a 23-year young man would desire a son or a daughter? Shouldn’t I be desiring something different at this stage of my life; catching the soul of my second language, practicing saxophone, learning Russian, saving money for a trip in the Alps, working out to be in shape… anything but a son.

O’ Allah,
My life is full of your amazing grace,
And I am lost.
I know you're listening...
Grant me perseverance,
Calmness,
And love;
Your love.

السبت، 6 سبتمبر 2014

حتى الثمالة أكتُب، حتى الثمالة....



«...
أسمع أمي الجميلة النقية تغني:

«ممكن نوصل أبعد نجمة
ممكن نكتب أصعب كلمة
لو نتعلم..
إزاي ناخد..
أول خطوة..»
وأعاهد نفسي أن أخطو خطوتي الأولى... الآن!

أقرأ ما نقله نيبو عن فرانسواز ساجان «عليّ أن أبدأ الكتابة لكي تأتيني الأفكار» وأقول لنفسي لما لم تبدأ حتى الآن... لما تخشى البدايات بكل هذا القدر... لما تتراجع، لما تتقهقر... أعرفُ أنك تخشى غموض ما قد يأتي... أعرف أنك تهاب المغامرة التي عليك ان تواجهها قريباً... التي ستفقد مفاتيحك إليها إن لم تجمع شتات نفسك وتنجز ما عليك أن تنجزه.

عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته، وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة... ربما حضنٌ طال انتظاره. وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح... هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها...

الآن تكتب حتى تصل إلى بئر راحتك المؤقتة..
الآن تكتب حتى تصل إلى بقعة عشبٍ وثيرة مطمئنة..
الآن تكتب وحسب،
لا تشغل نفسك بلون النهايات،
لا تشغل نفسك بمثالية خطوتك المطبوعة بين السطور..



الآن تكتب.
تكتبُ... تكتبُ.. تكتبُ

تكتبُ حتى الثمالة..»


الأحد، 15 يونيو 2014

Voices In The Heart


That voice isn’t mine
It doesn’t feel like me anymore…
When I look at it
In the eyes of the people around me
It looks different...
“Hopeful,” they would say
“Dreamful”
And “ambitious...”
Except mom
“Oh, my poor baby,” she says.

All that pain!
Hope it guide you to brighter paths
Where you find your deserved peace
Fulfilled dreams
And sincere loved ones.
But my voice’s heavy
In my shaky hands
Whenever I speak
Its thrones etches in my chest
I barely resist the pain…

And I, I write…  
I write to soothe the etching heart.
I write to be a little lighter,
Conquering my little death with letters and phrases
Covering my heart with shields of stone-hard words
My soul sprouts little green dreams
Weak as my voice,
Distant as my memory
Of how my voice used to be…

These memories
Are how I keep moving forward…
And I’ve only increased in predilection over the hardships.
Predilection to reclaim my stray voice
To reconcile with my heart
And befriend my new alphabet.
Maybe I am not looking hard enough
Maybe I am looking in the wrong way
Maybe I should stop looking
And start working.
It’s hard to fall in doubt
And harder to be motionless,
Passionless,
Lifeless...
My heart is splitting
Over submission to the failure
-Because it’s easier!-
And resisting the fall...
Collecting the remains of achievement
Gluing it together with the fainting dream
And building small steps...

One step
Over the other
And I am free, again.


السبت، 14 يونيو 2014

قليل من السحر


قليل من السحر
يضبطُ إيقاع الحياة
على اهتزازات أوراق الشجر
يرفع الرحلة على عرش التجربة
يسكب الفرحة في كؤوس البدايات
وينفض الهم عن أكتاف النهاية المُرهَقة

قليل من السحر يكفي
ليغرسَ في الدربِ برعم نور
يزهر في وجه الاحتمالات
ويكسر اندفاع سيل الغموض
وسط سهول الغدِ

قليل من السحر يكفي
ليغرس حبة خضراء في القلب
تزهر في الأشهر الذابلة
تحنو حين يغيب الأحبة
تحكي حين يهرب الليل منا
حكاياتٍ عن الندى والمدى والمطر
تشير إلى الشمس حين يغيب النهار
وتثمر عصافير بيضاء وسحباً رمادية صغيرة

قليل من السحر يكفي
لترقص أوراق الشجر المنفوضة
على وقع خطواتنا الصاخبة
لتهرب زهرات من انقضاء مواسمها
ولينفض طير أجنحته من بين براعم العشب العشوائي
حول شجرة تين
يكفي ليطفو محصول قمحٍ لأعلى
في رحلة أبدية
نحو نور بعيد

قليلٌ من السحر
يكفي
للمس تجاعيد وجه الحياة
يكفي
لنحترف السير
على خيوط الروح الممتدة بين القلوب
يكفي
لنبني في عتمة الليل مدينة
من بيوت الشعر
يكفي
لحياكة نهر حكايا جديدة
يجري بين بيوت مدينتنا
يدور حول جبال الأمنيات
ويصعد نحو سماء بعيدة
يخلط الغيم بالطمي
ويغرس فيه
قلوباً خضراء
وقناديل مضيئة




الأحد، 12 يناير 2014

في المشي وحيداً - أول تدوينات الشتاء

                                      
تقع تمشية الفجرية موقعاً مميزاً من نفسي، ربما لأنها الفرصة الأكثر صفاءً للاستمتاع بتقاطع حياتي مع مرور الزمان والمكان. أحب المشي بشكل عام، أستمتع بالمشي منفرداً، وأكرهه أيضاً، فالوحدة تمنحني مساحة أكبر للتأمل وللانتباه لتفاصيل الناس والأشياء، لكنها تترك أبواب صدري مفتوحة للوَحشة، الوَحشةِ التي لا تستأذن أبداً قبل أن تصيب القلب بلفحة بردٍ أو خدشة نازفة صغيرة على ركبته...  يدعني المشي لأغرق في أنفاق غير مرئية من العزلة والصفاء: يعزل عني تشويش الضوضاء، ويجلو بصيرتي لألمس التفاصيل الخفية للعالم من حولي. يسعادني المشي على التخفف من همومي، أو التسرية عن نفسي. أتمشى في الصباحات الباكرة قبل استيقاظ الناس والأشياء، وأتمشى في منتصف الأيام وقرب نهايات النهار، وأتمشى في بعض الليالي المرهقة طلباً للشفاء...ـ

تعارضني تيارات ثقيلة من تعب الناس وحنقهم على الحياة أثناء تمشية منتصف اليوم، لا يمكنني أن أتجاهل رغبتي المُلحة في إحصاء الوجوه المبتسمة في طريقي، وهي رغبة محبطة في محصلتها لأنها تُشعرني بالمزيد من الغربة: أسير وحيداً في منتصف النهار، أبتسم وحيداً -فالطريق لا يخلو أبداً من أسباب البهجة- ثم أغرق في حيرة البحث عن تفسير مقنع لتجهم الناس بشكل منتظم، كأنهم في اتفاق ضمني على العبوس في وجوه بعضهم البعض، ولا ينتشلني من تلك الحيرة غير تلاقي عيني بذلك الغريب المتطلع إلي من خلف نافذة أوتوبيس النقل العام الأحمر الكبير، أو الأخضر الصغير، تتلاقي أعيننا، فأبتسم له، ويرد على ابتسامتي بمثلها وإشارة من يده.ـ

لا أتمشى منفرداً في المساء إلا للتخلص من حمل ثقيل على صدري، قد يكون غضباً، إحباطاً أكبر بقليل من إحباطاتي المعتادة، بعض الوحشة الكاسرة والتي أحتاج فضاءً أوسع من غرفتي حتى أتمكن من التعامل معها، وربما فكرة أو فتنة أو هوساً طارئاً يضغط بإصرار على مراكز اتخاذ القرار في دماغي... أتمشى ليلاً حين أعاني من وحدتي ولا أجد سوى حضن الليل ليبدد آثار الوحدة وتوابعها. وتكمن لي المفارقة خلف أستار الليل، فهو لا يبدد كل همي في بعض الأحيان. حين أنتقل من فضاء غرفتي المغلق إلى الفضاء الليلي المفتوح يتغير الضغط من حولي، فتتضخم همومي وتكبر مثل البالونة حين تخرج من تحت الماء إلى الجو الخفيف... أحياناً ينجح فرق الضغط في فرقعتها من الداخل، وأحياناً أخرى تكبُر وتكبُر حتى تأسرني في داخلها. أمارس مجموعة من طقوس الخلاص أثناء تمشية المساء، وطقوسي تبدأ بإنشاد الشعر أو الأغاني، ولا تنتهي بشراء أكل خفيف من الشارع أو ركوب مواصلة عشوائية. أغاني أم كلثوم هي الأكثر حضوراً أثناء وحدتي، وهي الأكثر وجعاً، لكن صياغتها مغوية وألحانها آسرة، أتحصن من وجعها بمقاطع متناثرة من جدارية درويش. جدارية درويش هي الأقدر على تحرير الروح من أي وجع، تغرس في الوحدة سمواً ميتافيزيقياً مرغوباً، كسمو أبطال الحكايات الأسطورية ممن يمتطون السحاب ويسخرون العفاريت. أسير في وحدتي، في فضاء الليل الواسع، أنشد مقطعاً من  الجدارية، وأركل همومي وادحرجها كحجارة صغيرة أو كالرمل المزعج المتسرب في قلب حذائي، وألمس المعدن البارد لسور الكوبري. تسري برودته في أطراف أصابعي ثم في يدي بأكملها لتشعرني بأنني جزء من بنائه المحكم الصامد في وجه قسوة المدينة وأهلها. وفوق الكوبري تبلغ تمشية المساء ذروتها، وأبلغ من الخلاص ما يكفيني لأنام مرتاح البال.ـ

تبدأ تمشية الفجرية بخروجي للصلاة في أغلب الأحيان. أخرج للصلاة لأسبابٍ عديدة: ادراكي المفاجئ لغفلتي الدائمة عن التقصير في عبادتي، شكراً وامتنان لفضل الله، لجوء لله وقت شدة، أو مثابرة في المحافظة على درجة من القرب وصلت إليها ولا أريد أن أخسرها... تخف روحي وتكاد تطفو أثناء السعي إلى المسجد، وأرضى عن نفسي أكثر مع كل خطوة. في الطريق إلى المسجد تبدو كل الأشياء على درجة من الاختلاف، يبدو السحاب أقرب، والقمر أكبر والنجوم أوضح، سطح النيل أهدأ والسيارات النادرة في تلك الساعة أقل ضوضاء. يغمرني الصفاء في اللحظة التي أختم فيها صلاتي وأخطو خطوتي الأولى. ألاحظ خيوط الضوء الأولى تتسرب من جهة الشرق، وألاحظ الفرق الطفيف في رائحة الجو وبرودة نسائم الفجر قبل الصلاة وبعدها –وأحياناً أتساءل إن كنت أتوهم ذلك أم ألاحظه فعلاً؟- وأخطو خالياً من كل هم. في الصيف تستيقظ عصافير الأشجار مبكراً، في الشتاء لا تبدأ أغانيها إلا قبيل الشروق بقليل، يضايقني هذا قليلاً ويحرمني من بعض البهجة التي أشتهيها.  أعرف أن رجوعي للبيت أو لغرفتي في السكن سينهي تلك الحالة المميزة، فأطيل المشي، وأبطئ قدر استطاعتي، وأسرع قدر ما علي من التزامات أتجنب التفكير فيها. أخطو خطواتي الأولى وأحمد الله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا فضله علي وحلمه بي. أحمد الله في سري على نعمة القدرة على الحمد والشكر والتقرب إليه بالدعاء. تصل روحي إلى منتهى خفّتِها في تلك اللحظات: تلعب ألحان مبهجة في خيالي، وقد أبدأ في الدندنة أو الغناء إذا ما استبد بي الصفاء. في المرة الأخيرة أمسكت بنفسي أغني "أنا وحبيبي في جنينة" بينما أسير وحيداً في شارع أبو الفدا، ويتمثل لي صباح فخري بكل سلطنته وصخب موسيقاه.. أتطلع إلى الأشجار المحيطة بي، أقرب ما تكون إلى جنينة، لكنها بلا ورد.. أكبح جماح السلبية الموعودة في تلك الأفكار –التي تمر بسرعة أكبر مما تبدو عليه على الورق- وأبدأ في دندنة "يا غصن نقا مكللاً بالذهب... أفديك من الردى بأمي وأبي..." وأضحك حين أصل للبيت الذي يقول فيه "الحب أذى والعشق سم قاتل"... ويرد عليه درويش في مخيلتي "من سوء حظي أني نجوت مراراً من الموت حباً، ومن حسن حظي أني ما زلت حياً لأدخل في التجربة."   وأضحك على أفكاري مرة أخرى، فالأبيات على لسان "المحب المجرب" وتجربتي أنا لم تكد تبدأ حتى انتهت سريعاً. وينتهي طريقي سريعاً كما انتهت تجربتي الثانية أسرع من الأولى. أقول لنفسي: الأشجار خضراء، والقمر منير، والنيل يجري، ونسيم الفجر يشفي الصدور... لماذا ترفض الحياة بداخلي أن تبقى بمثل هذه البساطة؟"ـ

28 ديسمبر 2013