‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سفر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 مارس 2018

ألعاب مكسورة



«صدري كالحديقة. صدري كالحديقة مغمور بموسيقى مكتوبة. وقلبي اليوم شجرة كبيرة قديمة رأسها محاصرةٌ بسقف لا وجود له. تهرب العصافير وتنام في جحورها الخفية. أقرأ الموسيقى في رأسي. أوراقي إما قصيرة أو صفراء جافة. لا يمكنني نطق هذه النوتة أو غناء ذاك المقام. قلبي اليوم شجرة تسيل الموسيقى في أوردتها دون أن يسمعها أحد. يهرب قلبي وينام في جحره. شجرة عتيقة هائلة ملتفة مثل قطة كانت مذعورة قبل أن تغط في نومها -في جحرها، تحت أغطية دافئة منطفئة الألوان. أقرأ خمسة أبياتٍ من الشعر. أعزف سلمّا موسيقيًا واحدًا؛ بطيئًا ومهزوزًا. صدري حديقة والحزن جدارٌ من الضباب. الحزن بحر رأسي تسقط أمواجه ولا تقوم. يتسرب الملح بين جذور حديقتي ويجرح اوردتي. هذا النصّ مكسور ورمادي وملوّث. أذناي أيضًا مكسورتان الليلة، وأصابعي، وقدرتي على الكتابة. أقرأ خمسة أبيات من الشعر: هرميا تصحو من النوم مفزوعة لأن أفعى قد التهمت قلبها الصغير في المنام بينما جلس لايسندر يشاهد مصرعها دون تأثر*. بصعوبة أصعد من الدو إلى الدو، نوتاتي مهزوزة ومترددة وأحيانًا تتوه في صدري فلا تعبر نحاس الترومبيت. أكتب سطرًا واحدًا يقول «هنا الغابة، مرحبًا بكم. جميع الأقنعة التي قد ترتدونها هنا قد تكون حقيقية.» وأنام ساعات طويلة بجوار القطة البيضاء المرتابة دائمًا. أنام أطول مما ينبغي. تمل القطة من النوم فتخمش الباب الأبيض المغلق وتشد أصابعي وتموء وتموء كي أنهض من سريري المنخفض وأُدخل النور. أتأرجح حتى الباب. أغمر نفسي في الماء البارد. أغمض عيوني جميعًا. صدري. البحر. لحاء الشجرة. أصابعي. اللغة. وجودي. القمر الأحمر المعلق في سماء الليلة. الليلُ. الليلة أكتب. أربع دقائق بعد تمام الحادية عشرة. يسيل الوقت. يجرف أوراق الحديقة ويلتهم خضرتها. يزحف الوقت فوق الشجرة في حديقتي حتى يتشقق لحائها وتهتز. يجري الوقت ويطوقني. ينزع عني ثيابي. يلتهم الشمس. يخصم من مساحة الحديقة يومًا آخر. يقطع حبل الأرجوحة. يلوث زجاج شباكي الوحيد. يعصف بعواميد الكتب الصاعدة من أرضية غرفة الدراسة. يتعب الوقت ويتسلل إلى فراشي. ينسى الوقت نفسه ويبلل فراشي. يختبئ ويتركني في أرق أنتظر جفاف الملاءات والأغطية. يدور العالم. تنهض شمس. لا نوم الليلة. ما زال النص 
مكسورًا كوجهي. ما زال 
النصُّ مكسورًا
 كوجهي.
كوجـ
هي
مازال
النصّ
مكسـ
ورً
ا.
أ
نا
أعبث
فقط أعبث
مثل طفل يحاول
أن يخدع طفلة كي تغمض 
عينيها وتتظاهر أنها لا تعرف خلف أي الأشجار سيختبئ (...) وصدري كالحديقة. والقلب شجرة. والبحر العمودي تهبط أمواجه ولا تقوم. والملح في أوردتي –يشبه الدم- والنهر يجري فيه الوقت –سائلًا- لا يتك ولا يدق. تتصاعد الحديقة كالدخان. موسيقى الحديقة تلذع كحبة فلفل حارة. طيور الحديقة تموت مرتاحة في نومها داخل جحورها. الشجرة العتيقة تخلع جلدها دون اكتراث. أنبش أرض الحديقة باحثًا عن مفتاح للنص أو خاتمة تؤطر شتاته ولا أجد. النص مكسور مثل صورتي في عيني. والكتابة تزور حديقتي حين تريد وتحط حيث لا تطالها أصابعي. وأنا –أسير على أرض ضيقة وخطيرة كحبل مشدود بين شجرتين عتيقتين هائلتين فوق غابة ممتدة كمحيط من الأمواج الخضراء والكلمات والقوارب الصغيرة المهجورة...»

                                                                                                                         القاهرة - 16 مارس 2017




* الأبيات المقصودة من مسرحية حلم ليلة منتصف صيف، للزميل شكسبير طبعًا:
"Help me, Lysander, help me; do thy best
To pluck this crawling serpent from my breast!
Ay me, for pity; what a dream was here?
Lysander, look how I do quake with fear:
Methought a serpent ate my heart away
And you sat smiling at his cruel prey."
A Midsummer Night's Dream (2.2.151-6)

الخميس، 11 يونيو 2015

صندوق بريد يطفو على صدر ليلة



اليوم: العاشر.
المكان: أمام بحر.

ماذا تقول الرحلة؟
تقولُ أبحر. تقولُ أبحر. تقولُ أبحر.

روحُ الرحلة تتلبسني، تهمس في صدري،
تملك أمري كله،
تدفعني كي أُبحِر في عاصِفتِك؛

أصنع طوفاً من كلماتي/
من أعوادِ الياسمينِ وأغصانِ الليمون،
وزهور المشمشِ وخيوطِ الشمسْ/
أصنع مرساةً من حجرٍ فيروزّيٍ/
ساريةً من عاجْ
وشراعاً
من ثوبك الأزرق التائه في عينيّ منذ عرفتك/
ثم أبحر في عمق لياليَّ بلا دفة...

(...)

اليوم: تاهت الأيامُ بعد أولِ ألف.

من أنتِ؟

هذي الليلةُ،
أمواجكِ تغمرُ طوفي...
تحيي طيفي/
أتذكَّرُ
في مرآتي:
كنتِ أرق من صباح ربيعيٍّ
وأبهى من سمائه،
ساحرةً كفجر ليلته الباردة نسبياً
/وكنتُ أسهرْ/
كنتِ دافئةً في عينيِّ
مثل شمس الصباح الربيعي المستيقظة بعد كسل الشتاء/
أتذكرُّ
في عينيَّ كنت بريئة كروح الطفولة
وغامضة كقلب هذا المحيط الفسيح/
أمام عينيِّ تبتعدين في إصرار أمنيةٍ تؤمن أنها
ليست لي./
عزيزةً عليّ/
وقريبةً
كالألم المحيّر في أوصالي.
كنتُ أسلّم أمري للموج
وأشهد أني أحبك.
وكان الموجُ يدفعني
نحو بحورٍ جديدة...
/ما زلتُ أسهرْ/

(...)

اليوم: أربع سنواتٍ؟ خمسة؟
اختلط الأمرُ علي بعد البحر الأول.

أصنع من كلماتي عصافيرَ ورقية، وأطيرها.
كتابات آخر الليل خطيرة على متجرعها -تقول النشرة الطبية-
يُحفظ بعيداً عن متناول يد التائهين -تهمس النشرة الطبية-
كتابات آخر الليل تتوه في العتمة، وتغيب، وتكسر قلب الشاعر.
وكتابات آخر ليلي تتكثف في سقف العالم منذ بداية الرحلة؛ 
سحاباتٍ صغيرة معتمة/
تأكل السحابات أوراق النجوم
تقتنص العصافير الهشة
وفي الصباح تمطر السماء أجنحة معتمة وهياكل ورقية..
فأعيد تدوير كتاباتي القديمة/
امنحهُّن حياة جديدة -أقول لنفسي- وأنفخ في أقصوصة الورق/
أقول لنفسي أشياء عديدة،
هل يمكن للكتابة أن تشبه الطبخ -في صدقٍ- أو أنها لن تفعل؟
ربما أغزل الكتابة وأحيك للعصافير منها ثياباً 
مضادة للعتمة.

الأربعاء، 25 مارس 2015

التمرحنة لا يزهر إلا بين ضلوعه





 

(1)

متى تطيبُ روحي يا ربي.

 

ها انا أرقدُ/

أصابعي المرتخية معقودة حول أوردتي. ولا أكتب.

أصابعي معقودة ولا أكتب. أصابعي معقودة حول أوردتي فلا تجري الحياة في جسدي كما يجب. وأصابعي مرتخية، كلما استندتُ عليها اصطدمتُ بالأرض. والأرض تشدني طوال الوقت. وجواز سفري أبيض ينتظر الاحتمالات كلها، لكنه بعيد عن أصابعي. نسيت أين وضعته. في الحقيقة نسيت أشياء كثيرة: في أي جيب يرقد، وفي أي بلدة سقط مني قلبي الأخضر، وكم امتدت جذوره البيضاء الطرية خلفي. نسيت تاريخ ميلاد أمي؛ في الحقيقة لم أحفظه أبدًا. ولم أعرف صوت جدي الأول، ولم يتكلم الثاني كثيرًا حتى آلف صوته وأحفظه. رحل جدي ثم ندمت على كل المرات التي قطعت فيها الطريق مسرعًا حيث يجلس وتظاهرت أنني لا أسمع ندائه. كنت غضًا لم أعرف الموت عن قرب، ولم أتوقعه. ثم هبط الموت على بعد إصبعين من قلبي.

 

(2)

هبط الموت في حجر أبي حيث يرتاح جدي. غلّف الموت صوت جدي في أشرطة بيضاء. قبّلتُ رأسه ثم أحكمتُ عقد الأشرطة حول كلماته القليلة وندائه من فوق مقعده على ناصية القهوة ذات الجدران الخضراء. أحمل ماء الغسل الأخير في دلو أبيض، أقطع صالة البيت المكشوفة من أي غطاء في مدارات بيضاوية، ولا أخطو على نفس الموضع مرتين. تركتُ جدي هادئًا ولينًا ووديعًا داخل شرنقة موته البيضاء ورحت أركض عبر طرقات مدينتي الصغيرة. نسيتُ ما الذي أركض خلفه، لكنني ركضتُ أكثر. نعم، كنت أبحث عن مفتاح القبر. في مدينتي الصغيرة يخبؤون الموتى خلف جدران عديدة. ركضتُ ولم أجد المفتاح. كانت الشمس تركض مسرعة منذ الصباح، بينما جدي يطفو داخل شرنقة موته البيضاء فوق مئات الأكتاف والأقدام مسرعًا نحو مسجد المدينة الجامع. تسرع الأقدام نحو بيت الرب، وتسرع قدماي نحو باب القبر المغلق خلف سور حصين. أكسر على الموت بابه المغلق. أضع أصابعي العشرة في عينه اليسرى وأستخرج حدقتها الرخامية الباردة. تهاويتُ على الأرض وتركتُها ترتاح في حجري. سالت حشرات سوداء من تجويف العين، وفاض جو حارٌ وقابض في فضاء المكان. جلستُ ألهثُ من الحزن الراقد فوق أكتافي منذ ليلة الأمس. زحف عم شحاتة داخل عين القبر وأزاح آخر الموتى المرتاحين على سرير الرمل، سَمعتُ العظام تتعثر نحو زاوية القبر المظلمة، ثم تتكوم ببطء فوق جيرانها. قبور مدينتي الصغيرة لا تعجبني. أعرف أنني لن أرتاح إن جلست أنتظر نهاية العالم محبوسًا داخل عين مصمتة من القرميد الأحمر. فتحتُ النوافذ ليغسل الهواء جو المكان. يفيض النور العسلي داخل الغرفة الحليبية. ليلة الأمس أجلستُ جدي إلى جواري على الطاولة الزرقاء، طلبَ كوب حليب بالعسل ولم يكمله. قال «غطّيني»، فوضعته في سريره، أرخيت شاله المعقود تحت ذقنه، فردت البطانية الحمراء الخشنة فوق جسده الممدد، وقبّلت رأسه.

 

(3)

وضع جدي رأسه في حجر أبي، كرر الشهادتين ثم صمتَ قليلًا. نظر إلى السماء، كاد يبتسم ثم.... «يا فرج الله يا قريب يا رب!» قالها ثم نزفت أنفه قطرة دمٍ واحدة ومالت رأسه على حجر أبي. لا أذكر ماذا كتبتُ عن جدي بعدها في دفتري الأخضر القديم، أذكر أنني عدت إلى بيتنا بعد غياب شهر أو يزيد، نسيت حقيبتي مفتوحة بجواري وجلست آكل. عاد أبي إلى البيت في منتصف النهار على غير عادته وجلس بجواري، تناول دفتري وقرأ ما قرأ ثم بكى وضمني إلى صدره في حضن طويل. لم أتجرأ على الكتابة بعدها لشهور طويلة. 

حين رجعت إلى الكتابة لم أجد جدي حاضرًا. سنوات ثلاثة لا تصل إليه كتابتي. ثم يجد هو طريقه إلى دفتري حين جلست ليلة الأمس أكتب عجزي عن الكتابة. ولست أدري لمَ كتبت عن حضور الموت بدل الحياة. جدي الذي عرفته لا يشبه حكايات الآخرين عنه. طفل ثمانيني هادئ ومنكمش. يجلس على ناصية القهوة المواجهة لسور المقابر. يسير بهدوء عبر شوارع المدينة التي لم تتغير في عينيه منذ ثلاثين عامًا. يصف جدي معالم مدينة لا وجود لها. يسأل عن الساعة عند انتهاء النهار مراتٍ عديدة، ينسى الإجابة ويعيدُ السؤال وأتعلم كيف أجيبه دون أن أثير حيرته. يسألني كل ليلة عن أم كلثوم، هل تغني الليلة؟ يتأكد «هي الست لسة عايشة؟» وأعيد الإجابة كل ليلة دون ملل. يرفض تقبل موتها فأحكي له التواريخ والتفاصيل الصغيرة، يقول «تؤ تؤ تؤ، ما تفوّلش ع الست!» ثم يتقبل الحقيقة ويدعو لها بالرحمة، ثم يعيد السؤال في الليلة التالية. يبتسم جدي وهو يحكي «أحمد ابن عادل ربنا يبارك فيه فسّحني إمبارح في اسكندرية». لم أكن عرفت الطريق إلى الاسكندرية حينها، لكنني لا أنكر عليه الرحلة ولا الرضا. «قول لهم يا أحمد!» فأقول «حصل»، ويبتسم الآخرون في تواطؤ. يرفض الطفل الثمانيني تناول أدويته لكنني أقنعه بالحيلة، يرفض الجلوس في البيت وسط النهار لكنني أقنعه بحيلة أخرى، أتفق مع صبي القهوة كي لا يغير له حجر الشيشة أكثر من مرة واحدة، يجلس جدي ويطلب لي كوب ينسون وحين يرفض صبي القهوة تغيير حجر الشيشة يلتفت إليّ جدي قائلًا «تصدق إنت ابن كلب!» ويضحك في استسلام عابث، ويقول «قوم روّحني». نتمشى سويًا، يقرأ جدي الفاتحة ويدعو لأسلافه الراقدين في مقبرة العائلة على ناصية الطريق إلى بيتنا.

 

(4)

أجلس وحدي في غرفة المقبرة، يطفو جدي فوق مئات الأكتاف والأقدام على الطريق المنحدر نحو المقابر، تمتلئ الغرفة عليّ فجأة، أحمل جدي في شرنقة موته البيضاء بين يديّ، يبدو أخفّ من كل الأشياء، أضمه إلى صدري لحظة أطول مما يجب، أضمه إلى صدري بقوةٍ فينغزني أحدهم كي أفلته... يريحه عم شحاتة على سرير الرمل، ويُرخي الأشرطة التي أحكمتُ عقدها منذ ساعات. يعيد عم شحاتة حدقة عين القبر إلى مكانها ويعالجها بالأسمنت الأبيض والرمل. عشرات الأيدي تربّت على كتفي ثم ترحل... يفيض الهواء باردًا، يهز وحدتي الجديدة برفق، وأتلو ما تيسر لي من سورة ياسين كما يطيب لجدتي. كنا نجلس حول جدي منذ شهورٍ طويلة، ظنّ أنه سيموت وصدقناه، غامت عيناه وبردت أطرافه وجلسنا جميعًا نبكي في صمت، ثم دخلت جدتي إلى حجرته تزحف على يديها ورجليها، جلستْ بجوار رأسه على الكنبة الحمراء العتيقة وقرأت فواتيح سورة ياسين بسرعة مدهشة فغرقنا جميعًا في ضحك هستيري وسط بكائنا، ثم استيقظ جدي وعاد من موته المنتظر. راقبته طوال ليلة الأمس منتظرًا أن يستيقظ مثل المرات الماضية لكنه لم يفعل. قرأت سورة ياسين مرات عديدة لكنه لم يستيقظ ليلة الأمس... ولا هذا الصباح.

 

(5)

أهيم اليوم في شوارع الاسكندرية، تراودني ذكرى فسحتي المفترضة مع جدي، حكى جدي فيما حكى أننا صلينا في أبو العباس، أمرُّ بحوار المسجد في الصباح وأعود إليه في آخر النهار، أودّع ضحى ثم أعبر الطريق، يجلس عجوزٌ يشبه جدي كثيرًا قرب السلم.  أصعد عدة درجات ثم أعود إليه. يبتسم ابتسامة مثل ابتسامته ويغمض عينيه مثله، يسقيني كوب ماء مُحلى بالماورد، مثلما كانت عادة جدتي في طفولتي الأولى، تسقيني وحدي من زمزميتها المخصوصة. أردت بشدة أن أقبّل رأسه ولم أفعل. ناولته الكوب الفارغ، وهمستُ لِطَيْفِ الذكرى: «ربنا يخليك يا جدو». صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم قضيت الليلة هائمًا بامتداد الكورنيش.

 

(6)

يزورني جدي في الحلم فجأة. هادئًا ومريضًا. أساعده على صعود السلم أو إيجاد الحمام. أساعده كما اعتدتُ، ثم يختفي. يزورني مرة أخرى، يسير بجواري على درّاجته الحمراء العتيقة، نقطع الطريق من السوق إلى البيت في صمت. ثم يفاجئني جدي في رؤيا غير متوقعة بعد شهور طويلة: يضغط برفقٍ على كتفي ويقول «أنا مبسوط إنك حلو وكويس»، يلقي ببعض التعليمات للعامل في الزريبة، ثم يبتسم ابتسامة جميلة مضيئة، تفوح منه رائحة طيبة كأنما خرج لتوه من حمام دافئ وذقنه حليقة. يطبطب جدو مصطفى على ظهري، ثم أسمع نداء أبي، نلتفت سويًا فيقول «سيب جدك وتعالى لوحدك»، فأخطو تجاه أبي ثم أستيقظ.

 

(7)

جدي الحبيب،

أدرك الآن أنك وجدت الفرج القريب الذي اطلعتَ عليه حين فاضت روحك، ولا أملّ من إرسال الهدايا الصغيرة إليك كلما تيسر لي. يفاجئني الآن أن أستأنس بوجود المقابر في منتصف الطريق بين بيتنا وأي مكان في فارسكور، لم أعد أدور في الطرقات الخلفية كي أتجنب المرور بها. يسعدني ذلك بطريقة غير قابلة للفهم. يغمرني صفاء ما غامض كلما عبرت بخاطري، وكلما عبرت أنا بجوارك. يطمئنني حضورك المستمر. يطمئنني طيب ذكراك. ويطمئنني رضاك عنّا.

لكنني ما زلت تائهًا يا جدي، حين فاضت روح نينة أمينة كنت تائهًا وحبيسًا في طرقات المدينة الكبيرة البعيدة، مدينتي الصغيرة مثقلة بحزن كبير في عينيّ منذ وصلت في تلك الليلة ولم أجدها. محبّتكما ممتدة رغم الغياب، لكنني أكثر هشاشة مما يعتقد الجميع. كانت نينة تبكي حين أحملها وتقول «ربيتك وشيلتك وانت عيل عشان تشيلني لما أعجّز»، وكم آلمني بكاؤها... غيابك يا جدي مكتمل لكن غيابها منقوص. غيابها ضياع. ربما لهذا السبب أكتب عمن ضاعت مني أكثر ممن غاب. أراني ميتًا في رؤياي الأخيرة وأبحث عن جدتي وسط جيراني الموتى تحت الأرض ولا أجدها...  ما زلت تائهًا يا جدي لكنني أكتب أكثر مما مضى، أشد خيوط الحكايات وأعقدها سويًا، أشيد من الكتابة جسرًا خفيفًا وشاطئًا ناعمًا وبحرًا صغيرًا أحمله معي حيثما ذهبت. الليلة قلبي خالٍ ولهذا أكتب. أدفع عني الاكتئاب بأستار الذكرى الطيبة وبريق الأمل المعقود على مغامرة قادمة. سأشد ثوب حكايتي وأعقده في طرف الحكايات المنسية في أركان الأرض. سأهيم كما يشاء لي قلبي والقدر. سأغرس فرع التمرحنة الأخير في جيب معطفك الصوفي الذي تحبه، وسيزهر بين ضلوعي..

 

                                                     طبتَ يا جدي، وطابت روحك. 

 




                      

الأحد، 22 فبراير 2015

آه يا شمس


الشمس... 

تستيقظ الشمس
ترفع قدمها المتكاسلة وتخطو عبر الأفق البعيد الأجوف
هنالك
ها هي..
شمس تهيم على وجهها
تتمزق في فضائي المختنق
تصطدم بليلٍ متحجرٍ
تتعثر في قطع أحجيتي المتناثرة
بين صدري ومعدتي/
شمس تائهة
تبحث عن بابها نحو السماء
تشتاق لمقعدها الأزرق المتوهج/
تفزع في الليل
في عتمة كوابيسي الفوضوية تغرق--
تركض--
تتعثر--
تشهق--
تسعل، ويسيل النور على فمها
يتفصد من أقدامها الملتهبة
ينطفئ النور
ويتجلط/
حروف النور المتجلط على وجهها تتكسر
الألم في قدميها يلمعُ
زيتاً أسود
على وجه بحر عاجز.
«ماذا تفعلين يا شمس؟
قلبي الكبير متعب وقاحل
كلما امطرت السماء بداخلي
ضاع حليبها بين الرمال
وذابت قطعة من القلب
أو انكسرت
بلورة صغيرة حادة جارحة
بقعة رمل جديدة تنمو
ولا تخفق...
تنساب عبر ضلوعي.
ماذا تفعلين يا شمس!»/

تركض الشمس خلف حليب السماء
تنزلق عبر فقرات ظهري المنحنية،
تتعثر في قلبي المنقوع في حوض العظام/
تغرس الشمس الفزعة أقدامها في رمال القلب،
تلمس جروحها برودته
وتغمرها لذة غيبوبة.
تغرق الشمس في بحر رمالي
وتغيب خلف أفقٍ أبعد

وتنام.

السبت، 14 فبراير 2015

فراشتي




عزيزتي
خلف البحار البعيدة--
أمام المرآة التي لا تخبرك الحقيقة كاملةً؛
تلك التي تنظر إليك عبر الجهة الأخرى
معجزةٌ على وشك الوصول،
آيةٌ أؤمن بها.
روحها الآسرة مخبئة بين ظلال قشرتها الرمادية
بين تجاعيد الأوراق الخضراء الندية
وشقوق الأغصان الشائكة التي تزحف عبرها في الصباح
وبين الأجنحة الطرية الملتفة حولها تحت ذلك الجلد..
منتظرة صعودها/ صعودك الهادئ نحو شمس قريبة.

عزيزتي
ساعة مكتبي تشير إلى الآن
وساعتك البعيدة ما زالت تُشير إلى أمسي
لكنك معجزتي الباهرة
وإلى روحك تصبو روحي الصغيرة.
يجتاحني شعور غامضٌ حين أكتب إليك
يشبه الانتماء إليك وحدك.
وحدكِ
أنتِ المدينة في قلبي،
وأنتِ رائحة الفجر حول بيت طفولتي،
ولون أحلامي المأسورة لديك يُشبه العسل في كوب حليب طازجِ/
أنتِ السكن المُشتهى،
حلمكِ دفئ
هو هرولة الوحشة نحو باب الرحيل
واندفاع فيض الحياة في أوديتي المهجورة.

عزيزتي
دودةَ القز التي تحدق في المرآة خلف بحارها البعيدة
تقولين
«كيف أحبكَ ولا أجد نفسي حين أنظرُ إليّ؟»
أرى انعكاس وجهك على زجاج ساعة مكتبي
فراشة ً
مدهشة ً
بديعة ً
وبعيدة، 
أمام مرآة لا تقول الحقيقة

عزيزتي خلف البحار،
أكتب إليكِ عينيَّ
انظري فيهما ترين ما أرى
أكتبُ إليكِ أناملي
تنزف شوقاً
أكتبُ إليك الكتابة
تطاردني، ولستُ أهلاً لها
حروفها تتهجاكِ
«فـ ـرا شـ ـتـ ـي أ نـ ـتِ»


  أكتوبر 2014       

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


السبت، 16 أغسطس 2014

دورة حول شجرة الاحلام في صباح نوفمبر



-1-

حلمت إن جايلي شغل في طنطا، وفيه واحدة غجرية ساحرة متجوزة فلاح عجوز عنده حماره زرقا والقطر فاتني واصحابي أخدو شنطتي وسابوني نايم ع الأرض بالبوكسر، ولقيت شجرة عجوزة في وسط الأرض لما لمستها طلعت هدومي القديمة -زي ما هي قديمة- بس على مقاسي، واضطريت أعطي محاضرة في المنطق الأرسطي لاخوات الساحرة الغجرية عشان يبطلوا سرقة من لبن الحمارة الزرقا بتاعة الفلاح العجوز والساحرة أخدتني تفرجني على بيتها، باب أزرق كبييير مشغول بالنحاس اللي بيلمع زي النجوم ومقعد عالي في قلب محراب أبوها... وشمس دافية حزينة ورا ستاير سرير أمها المبروكة، لما أمها خرجت من باب الأوضة على الجنة، الشمس دخلت حزنانة مكانها... قفلت كل الأبواب والشبابيك وكمكافأة، ضمتني في حضنها زي الرضيع، حضن كبيييييير زي أحضان جدتي... وبعدين طلعت أجري ورا خطوط الأرض الواسعة المحروتة، ودماغي فيها مشاهد من قطر ركبته زمان... وفضلت أجري، جنب الطريق باجري، تحت الكباري باجري، ورا القطورات باجري... لحد ما وصلت أوضتي ودخلت سريري وصحيت تعبان من كتر الجري


-2-

وحوزة عايز يرقص لحد ما يدوخ... والأوضة أرضها باردة، وتزحلق، وأبيات الشعر موصودة بطلاسم من ورا البحر... والترجمة واقفة على باب الأوضة خايفة تخش... وأشباح الفيران البيضا بتعدي بسرعة من تحت الكرسي.. والروح تعبانة ومش عارفة تنام.. وحاجات تانية كتير شكلها شبه المزيكا ملهاش صوت، ألوان تايهة في أركان الأوضة وأصوت بتضيع في الشباك المفتوح... والشباك بعيد... وكلامي بقى مش مفهوم.. وشمس الشتا كسلانة واللون الأزرق نايم فوق الغيم... وأنين الناي بيتسرب بهدوء من بين أوراق الأشجار وفروع الشجرة بتتغنج في دلال نعسان... والأقلام راحت تشرب من البحر مارجعتش.. والاوراق ولا حاجة بترويها غير الروح.. والروح سابحة في الملكوت.. اولها عندي وآخرها أبعد بكتير من نظري الضعفان... والكوابيس بتنهش في أحلامي... وأحلامي بتطلع فوق الشجرة وتحاول تطير وساعات كتير بتقع للكوابيس.. بس في مرات بتلاقي حبال من الروح ممدودة بين الأشجار.. والأحلام مش زي الروح، تتمرجح آه، تتشغلق تتشقلب تسبح... كل ده آه، لكن الطيران مش ليها؛ ودي حاجة ع الصبح حزينة... ومحدش غيري شايف الحوت الأبيض الكبير اللي واقف قدام شباكي من امبارح ومش عارف يعيط... حتى الحوت كان تايه، وقلبه الكبير مفزوع... والتفكير بيجيبله اوجاع مش مفهومة... الغربة غريبة؛ ساعات مثيرة، وساعات مؤلمة.. ترفعك لفوق... لفوق خالص، وتسيبك متعلق! والنوم نعمة؛ بيقفل أبوابه عليك، ولو ربنا بيحبك هايوديك مطرح بتحبه، تتصبر بيه، لحد ما تلاقيلك بيت... وتفتح عينك: عين بتنصت لدفقات الدم في أوصال الدنيا، وعين ع البيت اللي في حلمك... وتغمض عينك تاني وتفتّح قلبك، تسحب نفس كبير أد الدنيا -ومش هايكفيك- وتدور زي المجذوب، تدور بجنون.. وتطير كل الأوهام من على روحك وتدوخ كل الكوابيس وتخطي -وانت بتترنح- خطوة فخطوة وتبدأ يومك بسؤال...



ورقة من مذكرات الخميس 7 نوفمبر 2013



الأحد، 15 يونيو 2014

Voices In The Heart


That voice isn’t mine
It doesn’t feel like me anymore…
When I look at it
In the eyes of the people around me
It looks different...
“Hopeful,” they would say
“Dreamful”
And “ambitious...”
Except mom
“Oh, my poor baby,” she says.

All that pain!
Hope it guide you to brighter paths
Where you find your deserved peace
Fulfilled dreams
And sincere loved ones.
But my voice’s heavy
In my shaky hands
Whenever I speak
Its thrones etches in my chest
I barely resist the pain…

And I, I write…  
I write to soothe the etching heart.
I write to be a little lighter,
Conquering my little death with letters and phrases
Covering my heart with shields of stone-hard words
My soul sprouts little green dreams
Weak as my voice,
Distant as my memory
Of how my voice used to be…

These memories
Are how I keep moving forward…
And I’ve only increased in predilection over the hardships.
Predilection to reclaim my stray voice
To reconcile with my heart
And befriend my new alphabet.
Maybe I am not looking hard enough
Maybe I am looking in the wrong way
Maybe I should stop looking
And start working.
It’s hard to fall in doubt
And harder to be motionless,
Passionless,
Lifeless...
My heart is splitting
Over submission to the failure
-Because it’s easier!-
And resisting the fall...
Collecting the remains of achievement
Gluing it together with the fainting dream
And building small steps...

One step
Over the other
And I am free, again.


الجمعة، 30 أغسطس 2013

حجر البهجة، وفي رواية أخرى: الزلطة الضاحكة!


أولاً: طقوس القراءة: 


أغمض عينيك الآن، ابحث عن الطريق إلى البحر الهادئ بداخلك... حين تصل إلى الشاطئ افتح عينيك، اسمع هذه الموسيقى، أنصت إليها جيداً وتخيلها مختلطة بصوت الموج في الخلفية ثم ابدأ القراءة: 



من أين تبدأ الحكاية؟

تبدأ الحكاية من الصفحة السعيدة التي تبحث عن التفاصيل الصغيرة التي تختبئ قطع البهجة تحتها...جعلتني تلك الرسمة استدعي مجموعة من الذكريات المميزة... تجمعت في مخيلتي قطع تراكبت فوق بعضها البعض... شذرات من الطفولة الأولى، ومشاهد أخرى قريبة كلها محببة إلى نفسي... كأنني أقف الآن أمام ذلك الشاطئ متأملاً ما يدور حولي...



                              




في ديسمبر 2011 قمت برحلة قصيرة إلى مدينة دهب في جنوب سيناء مع مجموعة كبيرة من أصدقائي... في اليوم الثاني من رحلتنا توقفنا قليلاً على شاطئ ضيق محصور بين مياه البحر الأحمر الفيروزية وبين جبل صغير..
كان الشاطئ مليئاً بالحجارة الملونة الصغيرة.. –ولا أستطيع أن أتذكر سبب وجودنا هناك الآن- تسلق بعضنا سفح الجبل الصغير ليستمتع ببانوراما أوسع للمشهد البديع حولنا، تمشى آخرون بمحاذاة الشاطئ الذي يبدو صخرياً، وكأننا نقف على حافة حوض مائي عملاق، يمكنك أن تستشعر العمق الهائل للماء إذا ما أمعنت النظر في زرقته الآسرة...
لا أذكر من منا بدأ بقذف الحجارة على وجه الماء، محاولاً جعلها تقفز... لكنني أذكر جيداً أنه لم يكن بمقدوري مقاومة تلك الرغبة العارمة في لمس تلك الأحجار الملونة الصغيرة... كأنها تنادي بصوت غير مسموع... أخذنا نتنافس معاً في إرسال الحجارة لأطول مسافة ممكنة... بعضنا يجيد ذلك بالفطرة –ربما؟- والبعض الآخر يجرب للمرة الأولى... ساعدت صديقة لي في محاولتها الأولى... وتراجعت للخلف أراقبهم جميعاً... أراقب تلك الفرحة الطاغية تقفز من عيونهم، أكاد ألمسها... وأخذت أستعيد تجاربي السابقة محاولاً قدر المستطاع أن أتذكر المرة الأولىى التي أرسلت فيها حجراً صغيراً ملوناً ليرتد عن سطح الماء بتلك الصورة السحرية... هل كان ذلك على الشاطئ في الكويت أمام الأبراج؟ هل كان أمام شاطئ النيل في مدينتي الصغيرة فارسكور؟ ربما في زيارتي الأولى لراس البر..



هناك ذكرى قديمة صامتة في ذاكرتي لجدتي على شاطئ راس البر تمسك بيدي ويدها الأخرى تقبض على حجر أحمر شبه شفاف ومسطح... تبسط يدها أمام ناظري، فأتحسسه جيداً بأناملي الصغيرة، ثم أنظر إليها فتبتسم ابتسامتها الآسرة المميزة، وويتوهج خداها بحمرة الشمس الغاربة هناك فوق الأفق... تقبض يدها على الحجر، تضبط إيقاع ذراعها وجسدها على مسار ذلك الحجر نحو الماء ثم ترسله بقوة.... الشمس تملأ عيني بالوهج ولا أرى المشهد واضحاً... تجلس جدتي وتجلسني إلى جوارها، الأمواج الصغيرة قوية، تحركني كورقة شجرة ضلت طريقها إلى شاطئ البحر... وجدتي تحكم قبضتها على ذراعي وتخبرني حكاية حورية البحر التي تأسر الأطفال الرائعين مثلي... أقول لها وأنت حورية البر التي تأسرني الآن... –هل قلت لها ذلك فعلاً؟- تأتي موجة قوية تصفعني بالماء على وجهي... اتذكر ذلك واضحاً تماماً في هذه اللحظة... وأتذكر شهقة جدتي وهي ترفعني من الماء بعدما انقلبت على ظهري! واتذكر صرخة الفرحة الطفولية النادرة منها، التي أطلقتها حين رفعت يدها من الماء قابضة على حجر أحمر صغير شبه شفاف... "يبدو أن حورية البحر أرسلت لنا هدية جميلة.." امسكت بيدي وبسطتها ووضعت فيها الحجر ثم طوت أصابعي عليه، ضغطت على يدي بقوة وابتسمت مرة أخرى ابتسامتها الآسرة المميزة... أشارت نحو الأفق وأسندتني لأقف... يمكنني أن أراني من هنا، طفلاً صغيراً دبغت شمس النهار وجهه وظهره وصدره العاريين... –هل كان يرتجف من تيار الهواء المار في تلك الساعة على جسده المبلل بماء البحر؟ تسنده تلك السيدة الضخمة بيدها، تبدو كأنها العالم كله بالنسبة له... يقف، يشد ذراعه الدقيق إلى الخلف، يستشعر الحجر في كفّه كأنه جزء منها... يستكشف صفحة الماء المتوهجة بنور الشمس المسكوب فوقها في تلك اللحظة... تبدو لحظة بعيدة غارقة تحت طبقات عديدة عتيقة من الذكريات.. يغمض عينيه ويبتسم ابتسامة ساذجة بريئة.. يتخيل حجره الصغير وهو يقطع البحار السبعة التي تحكي عنها جدته حتى يصل إلى رأس حورية البحر –خطافة العيال- والتي من أجلها تمنعه جدته من اللعب قرب شاطئ النيل في بلدته... يشد ذراعه ويفردها حتى أقصى مداها... ثم يدفع الحجر بيده الصغيرة نحو الأفق...

جذب أحدهم ذراعي وانتشلني من بحر تلك الذكرى... كانت تلك صديقتي التي ارتد حجرها عن سطح الماء مرات ثلاثة! 
ألقيت حجراً أخر، قفز مرة واحدة... تكفي تلك القفزة لصنع جرعة صغيرة من البهجة، ثم شردت ثانية وأخذت أفكر: لماذا نبتهج عندما تتقافز تلك الأحجار الصغيرة التي نلقيها على صفحة الماء؟ ألأننا نبعث الحياة في الحجر، ألأننا نمنحه قوة يصنع بها المستحيل: فبدلاً من الغرق يقفز فوق الماء! أو ربما نبتهج عندما تدرك عقولنا الباطنة أننا مصدر هذه القوة، ربما نبتهج عندما نرى قوتنا تغير الواقع المعتاد، نبتهج عندما نثور ونُغير ولو في صورة حجر صغير يرتد عن سطح الماء ...... هل أشعر أنا بتلك البهجة الغامرة التي أراها في عيون أصدقائي؟ هل تشع ابتسامتي بالفرحة مثل ابتسامة جدتي؟ هل أرتوي بالبهجة التي أحتاج؟ أدركت فجأة أن ما يهم في لحظة البهجة هو الارتواء بها... سأتوقف عن طرح الأسئلة قليلاً، وأسكب روحي لتطفو على صفحة الماء... ثم أركض نحو الطفل الصغير الذي كنته، أحمله بين ذراعاي القويتين وأرميه في الهواء... أعرف أنه يستمتع بتلك الرحلة الجوية الصغيرة أكثر من أي شيء آخر...