الأحد، 22 فبراير 2015

آه يا شمس


الشمس... 

تستيقظ الشمس
ترفع قدمها المتكاسلة وتخطو عبر الأفق البعيد الأجوف
هنالك
ها هي..
شمس تهيم على وجهها
تتمزق في فضائي المختنق
تصطدم بليلٍ متحجرٍ
تتعثر في قطع أحجيتي المتناثرة
بين صدري ومعدتي/
شمس تائهة
تبحث عن بابها نحو السماء
تشتاق لمقعدها الأزرق المتوهج/
تفزع في الليل
في عتمة كوابيسي الفوضوية تغرق--
تركض--
تتعثر--
تشهق--
تسعل، ويسيل النور على فمها
يتفصد من أقدامها الملتهبة
ينطفئ النور
ويتجلط/
حروف النور المتجلط على وجهها تتكسر
الألم في قدميها يلمعُ
زيتاً أسود
على وجه بحر عاجز.
«ماذا تفعلين يا شمس؟
قلبي الكبير متعب وقاحل
كلما امطرت السماء بداخلي
ضاع حليبها بين الرمال
وذابت قطعة من القلب
أو انكسرت
بلورة صغيرة حادة جارحة
بقعة رمل جديدة تنمو
ولا تخفق...
تنساب عبر ضلوعي.
ماذا تفعلين يا شمس!»/

تركض الشمس خلف حليب السماء
تنزلق عبر فقرات ظهري المنحنية،
تتعثر في قلبي المنقوع في حوض العظام/
تغرس الشمس الفزعة أقدامها في رمال القلب،
تلمس جروحها برودته
وتغمرها لذة غيبوبة.
تغرق الشمس في بحر رمالي
وتغيب خلف أفقٍ أبعد

وتنام.

السبت، 14 فبراير 2015

فراشتي




عزيزتي
خلف البحار البعيدة--
أمام المرآة التي لا تخبرك الحقيقة كاملةً؛
تلك التي تنظر إليك عبر الجهة الأخرى
معجزةٌ على وشك الوصول،
آيةٌ أؤمن بها.
روحها الآسرة مخبئة بين ظلال قشرتها الرمادية
بين تجاعيد الأوراق الخضراء الندية
وشقوق الأغصان الشائكة التي تزحف عبرها في الصباح
وبين الأجنحة الطرية الملتفة حولها تحت ذلك الجلد..
منتظرة صعودها/ صعودك الهادئ نحو شمس قريبة.

عزيزتي
ساعة مكتبي تشير إلى الآن
وساعتك البعيدة ما زالت تُشير إلى أمسي
لكنك معجزتي الباهرة
وإلى روحك تصبو روحي الصغيرة.
يجتاحني شعور غامضٌ حين أكتب إليك
يشبه الانتماء إليك وحدك.
وحدكِ
أنتِ المدينة في قلبي،
وأنتِ رائحة الفجر حول بيت طفولتي،
ولون أحلامي المأسورة لديك يُشبه العسل في كوب حليب طازجِ/
أنتِ السكن المُشتهى،
حلمكِ دفئ
هو هرولة الوحشة نحو باب الرحيل
واندفاع فيض الحياة في أوديتي المهجورة.

عزيزتي
دودةَ القز التي تحدق في المرآة خلف بحارها البعيدة
تقولين
«كيف أحبكَ ولا أجد نفسي حين أنظرُ إليّ؟»
أرى انعكاس وجهك على زجاج ساعة مكتبي
فراشة ً
مدهشة ً
بديعة ً
وبعيدة، 
أمام مرآة لا تقول الحقيقة

عزيزتي خلف البحار،
أكتب إليكِ عينيَّ
انظري فيهما ترين ما أرى
أكتبُ إليكِ أناملي
تنزف شوقاً
أكتبُ إليك الكتابة
تطاردني، ولستُ أهلاً لها
حروفها تتهجاكِ
«فـ ـرا شـ ـتـ ـي أ نـ ـتِ»


  أكتوبر 2014       

السبت، 10 يناير 2015

محبرةٌ جافة ودواءٌ مُعتّق



أردت أن اكتب عن عجزي عن الكتابة. عن طرق رأسي عشرات المرات بباب الصفحة حتى يسيل منها الحبر، ويتخثر على وجهي دون إجابة. أردت أن أكتب ولم أستطع. فتحت دفتري القديم وأخذت أبحث عن آثار عجزي وسط أكوام الكتابة. أتساءل لما تتعاظم هشاشتي كلما خطوت على الدرب. أجد من كنتُه يبحث -واعياً- عن شفائه وسط الكتابة/ فأشفق عليه. أنزع عنه ما ستره من الكتابة وأعيد حياكته، وأشك في إيماني للحظات طويلة... أين تختبئ آلهةُ الكتابة؟

أطوي الأيام مثل طرفي كوفيّة صوفيّة قديمة.
الأربعاء 7 نوفمبر 2012
الجمعة  9  يناير 2015


أعقد الخيط قرب نهاية نهار شتوي بعيد...

(1)
الرابعة عصراً


الكتابة أحياناً تشفي... وأنا في هذه اللحظة في أمس الحاجة إلى الشفاء!








هناك دخان ما محبوس بصدري منذ الأمس... ولا أدري كيف أتنفسه! 
وسلك شائك يعتصر القلب في صدري، يدور حوله فيأتيني نبضه غريباً موجعاً؛ ليس نبضي..

وأريد أن أبكي.. 
ربما أحتاج وجبة لحمٍ مطهية بالحبِّ وقِدراً من "شوربة" أمي الساخنة!

وأسير باحثاُ عن قصيدة لا أعرفها كالمحموم/ كالمحموم قضيت الليلة الماضية، معظمها، أبحث عن قصيدة تطفئ ظمئي المجهول/ تملأ شقوق أرضي بطينة طيبة وحروف خصبة منجرفة عن وجه القصيدة... لم أجدها بعدُ.... 

وأهرب من شيئ لا أعرفه، كالمُطارد في عمق ظلمة...
وأريدُ أن أبكي...

أريدُ أن أُدفن تحت جبل من ماء الفرودس المُحير.. حالاً والآن... أشتهي تلك النهاية/
وقبل ذلك الموت أريد أن أصلي العشاء، ثم أصلي أجمل ركعتين أهبهما لجدي الراحل، ثم ألحق به هناك؛
هناك في الأرض الفيروزية الهشّة..

ولما لا أكون قرميدة بين درجات السلم الموسيقي الصاعد نحو أرض الحكايات الخضراء العتيقة/ أتسائلُ/ لما لا أتماهى بين النغمات وعلامات النوتة؟

وأحاول أن أحتوي العالم في شهيق هائل واحد/............./ ثم أزفره في تنهيدة غاضبة 
تغسل قشور الاكتئاب عن وجهي، تهز الجدران الرطبة المائلة على صدري، ربما تسقطها..


(2)
العاشرة مساءً

أكتشف أن الكتابة لا تشفي أحداً/ أو لا تشفيني أنا... الكتابة تستأصل جزءاً مصاباً من الإدراك أو الشعور وتدفنه في أفقية الصفحات.

عندما أصابني الحب.. أصابني هوس بالكتابة... وعندما تلاشى ظِّلُ الحب عن حقلي وسقط الريش عن أجنحته الدقيقة اشتد هوسي بالكتابة... وحين لا أكتب أكتئب/ أمرض... تحتبس الأحرف في قلبي تجرحني زوايا رسمها الحادة، تخترق بطانة قلبي وتخدش رئتي فتسيل أنفاسي... أضغط على أصابعي لتستمر في الكتابة وليستمر النزيف.

ولست أدري حقاً كيف نزفت هذا البحر الصغير وما زلت أكتب. لست أدري كيف أكتب أو لمن/ لماذا/ إلى متى..... لكنني لا أسكن. للكتابة شهوة تتملكني، تغوويني بالاصغاء للتفاصيل الصغيرة. تغمرني بشهوة لنسخ العالم مبنياً على ورقة. نقطةُ حبرٍ ترسم قمراً على خد فتاة سارحة/ ترسم فيلاً أبيض يركض وسط الغيم/ تعلّق قلباً خاوياً بين أغصان شجرةٍ عتيقة فيسكنه الفطر والطحالب الخضراء الدقيقة/ ثم تهيج الفئران المختبئة خلف عباءة الليل تخدش وجه القمر، وتخلط لها السم بالحليب المتخثر على درب النجوم.

أصغي أكثر فيتناغم قلبي مع دفقات المحيط البعيد، ثم يتناغم مع دفقات الماء في شرايين الأشجار القريبة. أنصت لهمس الفتاة الساكنة في حضن فتاها في المقعد المجاور لي في آخر باص هارب من حرم الجامعة. أصغي لتبرّم النخلات الستة أمام كلية الآداب من صخب الجالسين حوالها نهاية كل يوم، وهرير القطة الرمادية السعيدة التي تأتيني حين أجلس بمفردي تحت شجرة الليمون خلف المكتبة... أنصت. أٌنصت أكثر. أدفئ الأصوات يأتيني مكتوماً. صوت ابتسامة جدتي المختزنة كهالة سحرية حول خط يدها الهش على اللوحة الورقية المثبتة أمامي؛ أكتب لها الدليل، وأرسم الأسطر الأفقية ثم تكتب هي ممتلئة بحماسة الأطفال: "أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان... أمينة محمد شعلان...."



في الليل أفتح دفتري القديم. 
أصغي لنبض قلبي
خافتاً في البرد. 
أنزع أثوابي القديمة عن صفحاتها، 
أرقِّع ثوب الليلة بها،
أشدُّها على أصابعيَ المجروحة
أقدامي المتقرحة إثر الصعود الطويل،
ومقبض القلم
وكعب كتابي العتيق الخالي/
أقطِّر الحبر الجاف عنها قطرة قطرة
أتجرعه
يختلط الحبر بالقلب/
وأصلّي 
لعل باب الليلة الموصدة في وجهي 
يلين
ولو مقدار صفحة
أو طول قُبلة مشتهاة.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

على وجه الواحة تفيض الكتابة، على وجه القلب تحنو الواحة

الأحد 28 ديسمبر
(1)
1:30 صباحاً
أجلس ممتلئاً بالكتابة التي لا تفيض.

(2)
10:21 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، ممتلئاً بكل أسباب الكتابة. السماء صافية، الهواء نقي، وأهل شالي سيوة يبشون في وجوه الأغراب.  وشجرة الليمون بجوار باب غرفتي تداعب أنامل الحلم. أجلس بجوار بيت النار وسط أرواح أليفة، أكتب. أكتبُ: قلبي أخضر، ينبض بالحرف ويفيض، تسيل الكتابة من بين أنامله المرتعشة. أكتبُ: الوحدة تسكن حين يلفحها برد الليل ثم تسقط عن وجهي وتتوه بين بيوت الطين والحجارة. أكتبُ: أطلال البيوت القديمة تأسرني. تبدو امتداداً للأرض والحجارة والشجر. كأحفورة قديمة تجري الحياة تحت قشرتها الرملية الهشة، تنمو على مهلها وتتنفس في ليل شالي الرائق. وتنمو في نفسي أمنية النجاة من المدن الشريرة كلها. تكفيني جنينة وحيدة وسط بحر النخيل وصفاء الزرقة الساحرة. أكتب عن قيود المدينة تكبل روحي ويديّ. عن قلبي المتخبط في الحب أكتبُ. وعن علاقتي القلقة بالكتابة. عن دخان الشيشة الوديع قرب بيت النار، وحشيشة الليمون في فنجان الشاي الصغير اللاذع. يبتسم عم أحمد العطار بينما يحكي. يقول تغيرت طباع أهل البلد كثيراً في السنين الأخيرة. تدمع عيناه ويفيض منهما حزنُ مرير. يضحك عمَ عثمان حين أطلب منه أن يعلمني أغنية سيوية. يقول لن تفهم مما أقول. ثم يغني ما يطيب له، أسأله كيف أكتبه فيقول لا تكتب. أسأله عن المعنى فيشرد لحظة ويحكي: يعني هاطير لعند الجبل وأمسك الغزال الأبيض.  بتحب يا عم عثمان؟ فيشرد مرة أخرى ويقول "طبعاً."

(3)
11:40 مساءً
أجلس بجوار بيت النار، وحيداً، وجه الواحة ساكنٌ تحت طبقة بردٍ متماسكة وصافية كهدوء ليلها. يتسرب البرد عبر نسيج جوربي، يزحف ببطء نحو عظامي ويلمس وجهي. تتوهج آخر الجمرات في وهنِ المسافر آخر ليلة طويلة، فتبدو المسافة بيني وبين بيت النار أبعد. أعيد قراءة المقطع السابق عدة مرات، أعيد النظر فيما أفعل به؟ أتذكر حديثي العابر إلى صديقتي «تفتكري القعدة في سيوة هاتفك عقدة الكتابة اللي ملازماني؟» وأبتسم ابتسامة حانية لأنني كتبت. أعيد النظر فيما كتبت وفيما لم أكتب. لم أكتب عن الفتاة التي غفت على كتفي للحظات عابرة، عن احتياجي للخروج في موعدٍ بسيط، عن اشتياقي لعروس شِعرٍ تسكنُ خلف البحار البعيدة. بساطة ميكانيكة الأقفال الخشبية على مجموعة الشبابيك تغريني بالبحث عن شيء مجهولٍ بداخلي. رائحة عروق الخشب الحمراء العتيقة الممتدة عبر سقف غرفتي تملؤني بشوقٍ لصوت أبحدية ناعمة تنساب بخفة وسط السحابات في فضاء صدري الحالم. وأكتب لصديقتي خلف البحار البعيدة: «أنا الجميزة الوحيدة وسط وادٍ أصفر/شجرة تحلم بريش كثيف وأجنحة فسيحة/ تحلم بالطيران نحو واديكِ الظليل لتصبح خضرتها شمساً رقيقة/ لتجفف الحزن الساكن في جداولك الصامتة/ وتذيب الثلوج على قمة قلبك/ أسبح هذا الصباح وسط بحرٍ نخيل/ ينقلب عالمي فأسقط من الموج الأخضر نحو الموج الأزرق الرائق، ولا أختنق/ يخفق قلبي على إيقاع حزنك وغيابك/ في ليلة هادئة وديعة كليلتي هذه أريد أشياء بسيطة؛/ أريد أن أمسح على رأسك، أن أقبَل يديكِ، وأن أنجز ما التزمت به من ترجمة قبل مقدمة الصباح./ حبيبتي، لا تنسي أن تطعمي الطيور العابرة،/ لعل أحدها يحمل إليك قلمي وأصابعي ورائحة قلبي/ وكرةً من خيوط كتابتي عنكِ./ لا تفزعي حين تصلك رسائلي، ورحمةٍ بي كفي عن الاختفاء خلف بحار بلادك. أمدّ يدي إليك عبر نافذة الشِعر وأقتبس* منه ما يحكي باباً من حكايتي:  

«أريد أن أختبئ في زهرة
خوفًا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
..
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارًا
في وجه من يغلقون النوافذ
..
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفًا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
»
                                    ابتسمي عزيزتي.



---

*من قصيدة غير معنونة لرياض صالح الحسين


الجمعة، 3 أكتوبر 2014

مناجاة لروح طفلة سبعينية





إزيك يا نينة؟ أكيد إنتي عارفة وحشتيني أد إيه. فاكرة آخر ساعة قضيناها مع بعض؟ أكيد فاكرة. أنا لسة فاكر الصورة اللي ما اتصورنهاش مع بعض زي ما اتفقنا، دي الذكرى الوحيدة اللي بتوجعني يا نينة، لكن هاتفضل جميلة رغم الوجع، جميلة عشان تفضل صورتك في قلبي حية بتنبض، بتنور لي عتمتي في كل حين وبتفكرني إن الحياة استثناء كبير زي ما علمتيني. أنا بقيت ضعيف وغريب عن نفسي قوي من بعدك يا نينة. باتخيل دلوقتي إيدك بتلمس خدي وعينكي بتلمع بكل الحنان اللي في الدنيا وبتقولي لي ماتخافشي، وتقرئي لي مطلع سورة ياسين، وتبتسمي لي في طمأنينة.

أنا عايز أكتب عنك كتير يا نينة. وخايف على طيفك اللي في قلبي يتجمد لو صبيته جوه الكلام، زي الطينة لما تتحرق في فرن الخزف. إنتي عارفة أنا باحبك أد إيه يا نينة، ونفسي العالم كله يلمس محبتك ولو بالكلام، لكن محبتك غالية، وأيوة أنا طماع، هاحتفظ بمحبتك في قلبي عجينة طرية، والغاليين بس هما اللي يلمسوها ويلمسوه.

صحيح نسيت أقولك كل سنة وانت طيبة يا نينة قبل كل الكلام اللي فات، النهاردة بقى عندك تلات سنين ويوم. تلات سنين ويوم في الجنة بإذن الله، يا رب روحك تفضل طفلة جميلة للأبد. ويا رب تكون هدايايا المتواضعة بتوصلك سليمة خالصة لوجه الله. أنا عارف إني مقصر في حقك إنتي وجدو كتير. سلمي لي عليه وبوسيهولي من راسه. أكيد إنتي حاسة أنا بقيت ضعيف أد إيه وهمتي تايهة مني، بافتكر أد إيه طبعك كان حامي وهمتك عالية واتكسف من نفسي، وأقوم أتحرك شوية. ادعي لي ألاقي المثابرة والعزيمة اللي بادور عليهم. عارفة يعني إيه مثابرة بالانجليزي؟ "بيرسفيرنس" لسة متعلمها الشهر اللي فات. معرفش ليه الكلمة دي ليها وقع مختلف على وداني. ادعيلي ألاقيهم وأحافظ عليهم يا نينة.

أنا باعد الأيام، عمري ما نسيت يوم. وده رابع رمضان من غيرك، ومن غيرك رمضان ملهوش طعم، ولا خطوتي ع السلم بعد الفجر من غير ما اطلع لحد شقتك ليها طعم، حتى التين اللي بتحبيه طعمه اختلف من بعدك، كل تينة أكلتها بعدك باقسمها نصين وأحلم بمرة واحدة أخيرة أأكلك فيها بإيدي. ده أول رمضان من غير عمة عزيزة. يا ترى هانتجمع إزاي على الفطار من غيركم النهاردة؟ أنا باحب عماتي كلهم، لكن هاتفضل لمتنا ناقصة كتير قوي من غير روحكم الصافية ومحبتكم الفياضة... «يا حبيبي» اللي بتنطقيها بمنتهى المودة والطمأنينة اللي في الدنيا، و«يا حبيبي» اللي عمتي بتنطقها باللهفة العجيبة اللي في صوتها، محدش في الدنيا هايعوضهم تاني يا نينة.


بقالي أسبوعين بافكر في أجمل هدية أجيبها معايا النهاردة، سامحيني ملحقتش أتم حفظ سورة ياسين زي ما وعدتك، لكني هاوفي بوعدي وأصلي لك بيها ركعة في كل ليلة من العشرة الأواخر بإذن الله. وسامحيني ملقيتش شجر تمر حنة في البلد، دورت عليها، لفيت شوارع فارسكور كلها بالعجلة أدور على نسمة شايله عبير التمر حنة؛ مفيش. عجيبة إن عمري ما فكرت أسأل جدو الله يرحمه بيجيب لك غصون التمر حنة منين. أوعدك لما يبقى عندي بيت هازرعلك فيه شجرة تمر حنة، واجيبلك معايا أحلى غصن منها كل مرة.

بيقولوا إن المحبة قوية كالموت... معرفش مين اللي قال، أنا فاكر إني قرأتها مكتوبة بجير أبيض على قالب طوب لبن وسط حيطة قديمة في مكانٍ ما معدتش قادر أوصلّه في ذاكرتي. إمبارح الفجر وأنا ماشي جنبك افتكرت الجملة دي وافتكرت محبتك. محبتك مش بس قوية زي الموت، محبتك غلبت الموت وبتغلبه كل يوم. محبتك خالدة في قلوب كل الناس اللي لمستي حياتهم. محبتك خالدة بدعواتك الطيبة المدهشة. أكيد إنت عارفة أن باتكلم عن إيه، عن «ربنا يحببك في الناس ويحبب الناس فيك.» عشان بعد ما روحتي عند ربنا فضلت أسمع صوتك بيدعي لي بيها، ولقيتني باقول لنفسي نينة تستحق إن دعوتها تتحقق، على الأقل أنفِّذ منها اللي في إيدي وأحب الناس اللي تقابلني. وبقوة محبتك يا نينة فضلت ماشي في الدنيا، وبنور محبتك بالاقي طريقي لربنا كل ما أتوه. وبدفئ محبتك باقاوم البرد اللي بيضرب عظامي وأشد روحي وعودي وأتجاوز خيبات الأمل. ولاجل محبتك الغالية باكمل بعد ما اقع. ولاجل محبتك باحارب التخاذل اللي بيشدني للأرض. لاجل محبتك باتعلم وباوهبلك ثواب كل حاجة باعلمها لحد جديد. فاكرة يا نينة لما مسكت إيدك بالقلم زي الاطفال وكتبنا اسمك مع بعض أول مرة؟ «أمينة محمد شعلان.» كتبنا أ مــ ــيــ ــنــ ــة بحروف كبيرة هشة ورقيقة. وضحكنا كتير يومها وسهرتي تكتبي اسمك مرة ورا مرة... وأد إيه كنتي مبسوطة وإنتي بتمضي على الورق بدل ما تبصمي، يمكن دي أكتر لحظة أنا فخور بيها في حياتي. فخور بـ جدتي، وأمي، وبنتي الصغيرة وصاحبتي وحبيبتي الأولى.

كل سنة وانت أطيب نينة في الجنة.

17 يوليو 2014.
تلات سنين فاتوا.


                              

السبت، 27 سبتمبر 2014

Almost 23, Almost Alive



I'll be 23 in one month and 23 days, and it just doesn't feel right. It feels like sadness, loneliness and panic. I'll be 23 and I am lost in self-doubt, in demotivation and in the persistent desire to quit everything and run. A desire to pursue my culinary interests, a silent urge to run endlessly in a remote desert at sunset, to run until my soul is a little lighter, to learn swimming properly, to recite poetry in a new softer language, to fully feel Italian operas, to explore a tiny tropical island, to build a new story of fragile sea shells, blue sands, green leafs, my own blood and warm breath, of sweat and grey hairs and memories, all glued together with words; my soul ... I'll be 23 and all I want at the moment is not to live another day with that ghostly loneliness echoing against the scratched walls of my big heart. To end the silly hide and seek game that my dreams are forcefully playing with me, to achieve the joy of writing THE END at the bottom of a new book, my book, to silence all the voices inside me.

Last night a friend of mine told me to stop being so selfless in love, because every time I fell in love, I fell hard. In my new year I’ll promise myself not to fall in love again, a broken promise. Last night I wrote to her that she is my butterfly; I unconditionally admire the hidden beauty beneath her caterpillar skin, that my soul relates to hers, and it feels like belonging to her, where I was finally found … and the pile of the sad dusty letters is growing taller on the nightstand because she never gave me her address. I believe she is as lost as I am, but what are the odds of two lost young people spending their life together? Thousands of miles keep us apart, figuratively and physically, a caterpillar and sycamore seed, full of the desire to taste the sun glow, full of fear and disappointments.

“Am I right for such a relationship?
Do I deserve the glory of being a sycamore tree?”  

Five years ago I wanted to be a kid once more. Today I want to have my own kid. I can’t call it fatherhood because it's not; it’s just a weird surprisingly unexpected feeling invading my heart and fingertips. Why a 23-year young man would desire a son or a daughter? Shouldn’t I be desiring something different at this stage of my life; catching the soul of my second language, practicing saxophone, learning Russian, saving money for a trip in the Alps, working out to be in shape… anything but a son.

O’ Allah,
My life is full of your amazing grace,
And I am lost.
I know you're listening...
Grant me perseverance,
Calmness,
And love;
Your love.

السبت، 6 سبتمبر 2014

حتى الثمالة أكتُب، حتى الثمالة....



«...
أسمع أمي الجميلة النقية تغني:

«ممكن نوصل أبعد نجمة
ممكن نكتب أصعب كلمة
لو نتعلم..
إزاي ناخد..
أول خطوة..»
وأعاهد نفسي أن أخطو خطوتي الأولى... الآن!

أقرأ ما نقله نيبو عن فرانسواز ساجان «عليّ أن أبدأ الكتابة لكي تأتيني الأفكار» وأقول لنفسي لما لم تبدأ حتى الآن... لما تخشى البدايات بكل هذا القدر... لما تتراجع، لما تتقهقر... أعرفُ أنك تخشى غموض ما قد يأتي... أعرف أنك تهاب المغامرة التي عليك ان تواجهها قريباً... التي ستفقد مفاتيحك إليها إن لم تجمع شتات نفسك وتنجز ما عليك أن تنجزه.

عليك الآن أن تقف، أن تشد عودك كرجل شجاع يسعى لإتمام رحلته، وأنت تعلم أن إتمام هذه الرحلة يضعك على عتبة رحلة أكبر ومغامرة أكثر إثارة، وغموض لذيذ وكتابة لا تعرف طعمها حتى الآن... وأنت تعرف أنك تحب الكتابة حتى التخمة، لا شيء يرضيك مثلها... ربما قُبلة مشتهاة... ربما حضنٌ طال انتظاره. وأنت تعرف أن الكتابة ستقودك على الدرب، أنت تعلم أن الكتابة هي سيفك ودرعك وهي مفتاحك وحذاؤك المريح... هي الدرب والفرس وقنديل الزيت... هي أوراق الشجر، وهي النسيم العبِقُ برائحة المحبة... وهي شربة الماء الهنية بعد رحلة شاقة... أنت تعرف أن مهمتك الكتابة، فأكتب، ولا تنظر خلفك.. لا ترهق نظرك فيما يدور خلف الأفق.. نظرة في محل خطوتك تلزم الآن، ونظرة تمهد للخطوة التي تليها...

الآن تكتب حتى تصل إلى بئر راحتك المؤقتة..
الآن تكتب حتى تصل إلى بقعة عشبٍ وثيرة مطمئنة..
الآن تكتب وحسب،
لا تشغل نفسك بلون النهايات،
لا تشغل نفسك بمثالية خطوتك المطبوعة بين السطور..



الآن تكتب.
تكتبُ... تكتبُ.. تكتبُ

تكتبُ حتى الثمالة..»